دخلت الحرب في السودان منعطفا حرجا بعد أن قام الجيش السوداني بالانفتاح غربا عقب تنظيف وسط البلاد من قوات الدعم السريع وحصرها في إقليمي كردفان ودارفور.
ومنذ تلك اللحظة أخذت موازين القوى العسكرية في التبدل بين الطرفين. ففي الوقت الذي اعتبر فيه المراقبون إجبار "الدعم السريع" على الخروج من الخرطوم والجزيرة وسنار انتصارا للجيش، استطاعت قوات الدعم السريع ان تسقط واحدة من أكبر حاميات الجيش السوداني في الفاشر. ثم اعقبتها باحتلال قاعدة أخرى في بأبنوس. وأعادت تموضعها في مناطق غرب وشمال كردفان، المتاخمة لمدينة الابيض عاصمة الاقليم. كما مكنها تحالفها مع الحركة الشعبية، جناح عبد العزيز الحلو، من محاصرة مدن الدلنج وكادقلي في جنوب كردفان.
وكان الجيش في غضون ذلك قد استعاد مدينة بارا الواقعة على طريق الصادرات الرابط بين كردفان وأم درمان في وسط البلاد، والذي تسيطر قوات الدعم السريع على نقاط هامة فيه. كما عادت مرة أخرى واستعادت مدينة بارا، ذات الموقع الاستراتيجي من يد الجيش.
لكن الجيش وفي الأيام القليلة السابقة استطاع تحرير مناطق في محيط مدينة الابيض، مثل كازقيل والرياش وواصل تقدمه حتى منطقة الحمادي في جنوب كردفان، مما يعني توسيع دائرة تأمين مدينة الابيض والتقدم نحو الطريق المؤدي إلى غرب كردفان، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على مدن مثل النهود والفولة والمجلد. وهي مناطق يسعى الجيش للوصول اليها لينفتح منها غربا لتحرير دارفور. مما يجعل اقليم كردفان ساحة حرب ساخنة تشهد تحولا مستمرا في إعادة التموضع بالنسبة للقوتين. ففي الوقت الذي يواصل فيه الجيش تقدمه غربا وينشط سلاح الطيران التابع له في ضرب تمركزات المليشيا، يسعى "الدعم السريع" لنشر تعزيزات إضافية في الإقليم. حيث نقلت وسائل إعلام عالمية وصول 200 عربة قتالية إلى محور الدبيبات لدعم القوات التي يحاصرها الجيش هناك ويهاجمها بالمسيرات.
في هذه الأثناء أعلنت مصر ما سمته بالخطوط الحمراء بالنسبة لأمنها القومي، وعلى رأسها وحدة السودان وضمان سيادته الوطنية. وقالت الرئاسة المصرية إنها فعلت اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين التي تم توقيعها في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري. واعتبر المراقبون أن ذلك يعتبر بمثابة إعلان مصر دخولها الحرب السودانية التي قطعت أشواطا في طريق التدويل بعد استقبال اثيوبيا لقوات من الدعم السريع والسماح لها بفتح معسكرات في أراضيها وقيامها بمهاجمة أراض سودانية على الحدود الشرقية، ووصول تعزيزات عسكرية إلى اثيوبيا، مثل طائرات سوخوي الروسية، مما ينذر بأن الصراع قد يستقر كحرب بين إثيوبيا ومصر على خلفية نزاع البلدين على سد النهضة الذي أقامته اثيوبيا على حساب جيرانها ودون أدنى اعتبار لتحفظاتهم حتى الجيولوجية منها.
كما تشهد المنطقة نزاعا آخر بين السعودية والإمارات من المتوقع ان يلقي بظلاله على حرب السودان، باعتبار ان الإمارات هي الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، كما بات معلوما في أروقة المجتمع الدولي وفي وسائل الإعلام العالمية. هذا إلى جانب ان الدولتين (السعودية والإمارات) تعتبران ضمن "المبادرة الرباعية" لحل النزاع السوداني سلميا، وهي المبادرة التي تشمل إلى جانبهما كل من مصر وأمريكا.
وقد أسفرت التدخلات الاقليمية المشار اليها على حدود السودان الشرقية إلى انفتاح الجيش شرقا، حيث وصل مساعد القائد العام شمس الدين كباشي إلى الدمازين على رأس قوة من الجيش السوداني من المتوقع ان تتبعها آليات مصرية ربما تتمركز على الحدود الشرقية، مما يضع سد النهضة الاثيوبي في مرمى النيران المصرية.
ومن المتوقع ان يقود الموقف المصري إلى قطع الإمداد عن قوات الدعم السريع على طريق الصحراء الليبية. فقد استدعت مصر خليفة حفتر، حليفها في ليبيا، إلى القاهرة قبل عدة ايام من إعلان موقفها غير المحايد في الصراع السوداني. وفي غضون ذلك تمكن الطيران السوداني من تحييد شحنات من الأسلحة في منطقة المثلث الرابطة بين السودان ومصر وليبيا كانت في طريقها إلى قوات الدعم السريع، بحسب مصادر الجيش السوداني.
هذا في الوقت الذي تتعثر فيه المساعي السلمية بعد فشل "المبادرة الرباعية" فقد تقدمت الحكومة السودانية بما أسمتها مبادرة السودان لوقف الحرب والتي وضعت على رأسها انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تحتلها وتسليم أسلحتها، الشيء الذي اعتبرته دول "الرباعية" وعدد من المراقبين بمثابة إعلان موقف تفاوضي. كما اعتبره "الدعم السريع" خيالا سياسيا أبعد ما يكون عن الواقعية السياسية. لكن رغم ذلك جددت أمريكا دعوتها لطرفي الحرب بضرورة وقف إطلاق النار والوصول إلى هدنة انسانية تمكن الفاعلين الدوليين من توصيل المساعدات الانسانية وفتح الممرات الآمنة لخروج المدنيين من مناطق النزاع، وأردفت دعوتها تلك بتجديد العقوبات على قيادات بارزة في الطرفين.
وقد خلفت الحرب واقعا انسانيا مريرا، حيث أودت بحياة أكثر من 150 الفا من المدنيين غير المصابين والمشردين والنازحين داخل وخارج السودان. ورغم ضعف الاستجابة الدولية في توفير المساعدات، والتي بلغت حتى الآن فقط 27 في المائة من حجم الاحتياجات بحسب تقديرات منظمة "اطباء بلا حدود" و30 في المائة بحسب تقديرات برنامج الغذاء العالمي، إلا أن العائق الأساسي امام الوصول للمحاجتين هو استمرار القتال وعدم امكانية المجازفة بحياة الكادر العامل، وعدم رغبة المنظمات في الوصول إلى تفاهمات مشتركة مع طرفي الحرب.