اخر الاخبار

تتواصل التحركات الدبلوماسية لاحتواء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بالتزامن مع تصاعد التهديدات العسكرية والمخاوف من تجدد الحرب واتساع نطاقها إقليمياً. وفيما تستضيف طهران اجتماعاً يضم مسؤولين من السعودية وباكستان وتركيا لبحث الأمن الإقليمي، تبقي واشنطن الخيار العسكري مطروحاً، وسط مساعٍ إيرانية لإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، رغم الخلافات بشأن شروط التسوية.

وبينما تتحدث الأطراف عن الدبلوماسية وخفض التصعيد، تستمر التهديدات والضغوط الاقتصادية والعسكرية، فيما تتحمل شعوب المنطقة مخاطر المواجهة وتداعياتها على الأمن والاستقرار والمعيشة.

تحرك إقليمي لمنع اتساع الحرب

واستضافت طهران، امس الاثنين، اجتماعاً بمشاركة وفود من السعودية وباكستان وتركيا، لبحث سبل خفض التصعيد وتطوير آليات التعاون الأمني الإقليمي. وضم الوفد السعودي وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، فيما شارك قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، إلى جانب رئيس الاستخبارات التركية.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن الاجتماع يناقش التطورات في لبنان وفلسطين، وما وصفته بالنهج التوسعي الإسرائيلي، فضلاً عن تداعيات الهجوم العسكري على إيران، وإمكان بناء ترتيبات أمنية إقليمية تقوم على المصالح المشتركة.

وتزامنت هذه التحركات مع زيارة وفد قطري إلى طهران في إطار جهود الوساطة. وأفاد مسؤول إيراني بأن الوساطات تحقق خطوات إيجابية، لكنه اتهم الإدارة الأمريكية بالتنصل من التزاماتها، بما يعرقل الوصول إلى تفاهمات مستقرة.

ويمثل هذا الحراك محاولة إقليمية لتجنب مواجهة لا تقتصر آثارها على الأطراف المتحاربة، بل تهدد أمن الخليج والملاحة وإمدادات الطاقة والاقتصادات المرتبطة بها. كما يعيد طرح الحاجة إلى منظومة أمن إقليمي تمنح دول المنطقة دوراً أكبر في معالجة أزماتها، بدلاً من إبقائها رهينة للتدخلات العسكرية الخارجية وتنافس القوى الكبرى.

واشنطن تلوّح بالقوة وتضغط على طهران

في المقابل، لا تزال الإشارات الأمريكية تبقي احتمال استئناف العمليات العسكرية قائماً. فقد نقلت صحيفة «ذا هيل» الأمريكية عن مصدر أن القيادة المركزية الأمريكية أعدت خططاً لشن ضربات على إيران في حال صدور تفويض من البيت الأبيض، فيما أعلنت القيادة أن قائدها براد كوبر حلّق فوق مضيق هرمز لمتابعة الظروف العملياتية.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن بلاده لن توجه ضربة إلى إيران في ذلك اليوم، لكنه طرح، في تصريح سابق، خياراً وصفه بأنه إما التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين أو «القضاء عليهم نهائياً». كما تحدث عن قرب حسم الملف النووي الإيراني «بطريقة أو بأخرى»، في خطاب يجمع بين الحديث عن التفاوض والتهديد باستخدام القوة.

من جهته، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران لم تغلق باب الدبلوماسية، وأن الرسائل تُنقل إلى واشنطن عبر الوسطاء، لكنه أشار إلى أن المطالب الأمريكية أحادية الجانب تعرقل التقدم نحو اتفاق. كما شدد مسؤولون إيرانيون على استعداد القوات المسلحة للدفاع عن سيادة البلاد، محذرين من أن أي اعتداء سيقابل برد.

وتكشف هذه المواقف عن استمرار سياسة الضغط المتبادل، مع بقاء التهديد العسكري حاضراً على طاولة التفاوض. 

الحرب تضغط على الطاقة والمعيشة

ولا تقف تداعيات المواجهة عند حدود السياسة والأمن، بل تمتد إلى البنية التحتية والاقتصاد والحياة اليومية. فقد دعا رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى خفض استهلاك الغاز الطبيعي بنسبة لا تقل عن 10 في المائة، محذراً من عجز يومي قد يصل إلى 250 مليون متر مكعب خلال الشتاء المقبل، نتيجة الأضرار التي لحقت ببنية الطاقة التحتية خلال الحرب، وفق ما أوردته تقارير إعلامية.

وتكشف هذه الأزمة عن أحد الأوجه المباشرة للحروب، إذ لا تقتصر الخسائر على المنشآت والمعدات، بل تمتد إلى الخدمات الأساسية وقدرة الدولة على تلبية احتياجات السكان. كما أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات وتراجع النشاط الإنتاجي تزيد الأعباء على الفئات محدودة الدخل والعمال والمنتجين الصغار.

وفي هذا السياق، قال ترامب إن الاقتصاد والجيش الإيرانيين يواجهان انهياراً، وذكر أن التضخم بلغ 301 في المائة، وهي أرقام وردت في تصريحاته ولم تتوافر ضمن المعطيات المتاحة بيانات مستقلة للتحقق منها. ومع ذلك، فإن الأعباء الاقتصادية الناجمة عن الحرب والعقوبات تجعل السكان أكثر عرضة لتراجع القدرة الشرائية واضطراب الخدمات وفرص العمل.

مضيق هرمز في قلب الصراع

وتبقى الملاحة في مضيق هرمز أحد أبرز الملفات المرتبطة بالأزمة، نظراً إلى أهميته في حركة التجارة العالمية وإمدادات النفط. وأظهرت متابعة لشبكة الجزيرة، استناداً إلى بيانات الملاحة وصور الأقمار الصناعية، استمرار حركة السفن عبر المضيق، رغم انخفاض أعداد السفن الظاهرة على منصات التتبع العامة.

ويجعل الموقع الاستراتيجي للمضيق أي اضطراب في حركة العبور قضية تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة، إذ يمكن أن ينعكس على أسواق الطاقة وتكاليف النقل والتجارة وأسعار السلع، خصوصاً في الدول المعتمدة على الاستيراد.

ومن هنا، فإن إخضاع الممرات البحرية الحيوية لمنطق التهديد العسكري والمنافسة على النفوذ يضع الاقتصاد العالمي أمام مخاطر إضافية، ويحمّل المستهلكين والقطاعات الإنتاجية كلفة صراع لا يملكون قرار إشعاله أو إيقافه.

السلام مصلحة للشعوب

إن استمرار الوساطات الإقليمية بالتزامن مع التهديدات وإعداد الخطط العسكرية يضع جهود التهدئة أمام اختبار حقيقي. فنجاح المفاوضات يتطلب وقف التصعيد واحترام سيادة الدول والابتعاد عن الإملاءات، ومعالجة الخلافات عبر حوار يضمن مصالح الأطراف ويمنع تجدد الحرب.

ولا يمكن فصل الصراع عن كلفته الاجتماعية والاقتصادية؛ فالحروب والعقوبات واضطرابات الطاقة لا توزع أعباءها بالتساوي، بل يتحمل العمال والفئات محدودة الدخل والمنتجون الصغار قسطاً كبيراً من ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات وفرص العمل.

لذلك، تكمن مصلحة شعوب المنطقة في منع اتساع الحرب، ووقف التدخلات العسكرية، وبناء منظومة أمن إقليمي تقوم على التعاون واحترام السيادة، بعيداً عن الهيمنة وسباق التسلح. كما ينبغي ألا تتحول الموارد الطبيعية والممرات التجارية إلى أدوات للضغط السياسي، وأن تكون حماية المدنيين وتأمين احتياجاتهم الأساسية جزءاً من أي تسوية مستدامة.