أُقيم جدار ضمير رمزي، بلغ طوله قرابة 30 متراً، في المطارات الإيطالية، لغرض إيصال صوت الاحتجاج ضد الحرب في قطاع غزة والوضع في الأراضي الفلسطينية مباشرةً عبر ساحات السفر العالمية. وقد نُظّمت الفعالية، في وقت واحد في مطارات روما- فيوميتشينو، وكالياري- إلماس، وميلانو- ليناتي، والبندقية، وفيرونا، من قبل مجموعات وجمعيات ونشطاء عبر منصة "الخريف الأبيض".
في مطار فيوميتشينو، تجمع متظاهرون في قاعة المغادرة حاملين الأعلام الفلسطينية، وهاتفين بشعارات التضامن، ما لفت انتباه المسافرين وموظفي المطار. وفي مطار كالياري، تظاهر ثلاثون شخصًا أمام بوابات المغادرة بالتزامن مع إقلاع الرحلات المتجهة إلى تل أبيب. وأكد المنظمون على الطابع الرمزي وغير المعيق لسير العمل في المطارات. وجاءت هذه الفعاليات ضد سياسات الحكومة الإيطالية تجاه الكيان الصهيوني، واستمرار رحلات الطيران، وما يُسمى بـ "برامج الانفراج الدولي"، التي يرون أنها تدعم منتسبي جيش الاحتلال.
توظيف الفضاءات
مع تصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي الراهنة، يكتسب التوظيف الرمزي والهادف للمساحات العامة أهمية متزايدة. ويركّز هذا الاحتجاج على المواقع الاستراتيجية للعولمة. وتُعدّ التظاهرات الأخيرة والتجمعات المفاجئة المنسقة في العديد من المطارات الإيطالية مثالاً رمزياً على كيفية تأثير الاحتجاج الجيوسياسي بشكل مباشر على البنية التحتية المادية للترابط العالمي، وذلك لتعميق وتوسيع نطاق رسالته.
ولا تنحصر أهمية الاحتجاجات الرمزية بالتأثير الإعلامي الواسع، والوصول إلى الحشود الكبيرة، بل هو فعل يهدف إلى تسليط الضوء على الصلة الوثيقة بين سير العمل اليومي للبنية التحتية للنقل وديناميكيات النزاعات الدولية. وبذلك، يصبح المطار، بوصفه الموقع الأمثل للعبور والتنقل والتواصل بين الدول، فضاءً تتجلى فيه الاحتجاجات العابرة للحدود الوطنية.
تركز التعبئة على إدانة التواطؤ السياسي والدبلوماسي والاقتصادي للحكومة الإيطالية مع سياسات حكومة الاحتلال في سياق أزمة الشرق الأوسط. إن اختيار المطار كموقع للاحتجاج يهدف إلى توضيح التناقض بين الحفاظ على الاتصالات الجوية والتجارية والأزمة الإنسانية ذات الأبعاد المأساوية.
ويرى المحتجون أن استمرار حركة النقل الجوي المنتظمة سيساهم في تطبيع التعامل مع جرائم الاحتلال المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية. لذا، يُنظر إلى تعليق الرحلات الجوية ليس فقط كبادرة رمزية، بل أيضًا كأداة ضغط سياسي تهدف إلى إجبار المؤسسات على تحمّل مسؤولية أكبر. بالإضافة إلى تركيز الاهتمام على صادرات الأسلحة والدعم اللوجستي لعمليات جيش الاحتلال العسكرية.
وهكذا، يتحول التركيز من الغضب الأخلاقي إلى الضغط، استنادًا إلى قرارات وتقارير المنظمات الدولية وهيئات الأمم المتحدة المختلفة بشأن انتهاكات القانون الدولي الإنساني وخطر الإبادة الجماعية. وبهذا المعنى، تسعى الاعتصامات في المطارات إلى تحويل التعبئة في الشوارع إلى مطالبة بالالتزام بالدساتير النافذة والقانون الدولي.
إن انتشار التجمعات المفاجئة في جميع أنحاء البلاد يُظهر نمو شبكة تعبئة متعددة الأوجه تربط النقابات الشعبية والحركات الطلابية والمبادرات المحلية. ويُبين هذا التقارب أن المنظمات الاجتماعية تنظر بشكل متزايد إلى قضايا السياسة الخارجية والقانون الدولي على أنها ملحة. فهي ترى أن الضغط على البنى التحتية الاستراتيجية تُمكنها من إبراز معارضتها والتأثير في النقاش العام.
أشكال جديدة للمقاومة
وهكذا، أصبحت المطارات بنى تحتية للتنقل وساحات سياسية. ونظراً لدورها المحوري في نقل الأفراد والبضائع ورؤوس الأموال، فإنها تُعدّ مواقع رمزية للعولمة المعاصرة، وبالتالي فهي مفضلة، ً، كساحات للاحتجاجات التي تُذكر بمسؤولية الدول والمؤسسات الدولية، وتدين سلوكها الحالي.
وتبين الاحتجاجات في المطارات الإيطالية كيف تتغير أشكال المقاومة المعاصرة. لم تعد المطارات مجرد نقطة عبور، بل أصبحت ساحات لمواجهة السياسية والنقاش العالمي. وهكذا، يجد التضامن مع الشعب الفلسطيني، وإدانة الحرب، وانتقاد قرارات السياسة الخارجية تعبيراً مباشراً وواضحاً، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بديناميكيات عالمنا المعاصر.
ويكتسب الحشد في المطارات دلالة تتجاوز مجرد وقفات احتجاجية فردية وتجمعات مفاجئة، إذ يتحدى فكرة حيادية بنى العولمة. ففيها تتشابك المصالح الاقتصادية والعلاقات الدولية والمسؤولية السياسية وديناميات القوة. وعلى هذا الأساس، يسعى الاحتجاج من أجل فلسطين اليوم إلى تعزيز التضامن عبر الحدود الوطنية، بتحويل مواقع التنقل العالمي إلى فضاءات للتوعية والتنديد والمشاركة.