شهدت العاصمة الأميركية واشنطن يوماً استثنائياً تزامناً مع زيارة رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ تحولت المدينة إلى مسرح لسلسلة احتجاجات استمرت أكثر من عشر ساعات، وشاركت فيها منظمات حقوقية، وحركات يهودية وفلسطينية، وجماعات دينية وسياسية أميركية، في مشهد عكس اتساع المعارضة الشعبية لسياسات الحكومة الإسرائيلية في قطاع غزة، وتزايد الضغوط على الإدارة الأميركية بسبب استمرار دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل.
وجاءت زيارة نتنياهو، وهي الثامنة إلى الولايات المتحدة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، والسابعة إلى واشنطن خلال هذه الفترة، في ظل ظروف سياسية وقانونية معقدة، أبرزها استمرار الحرب في قطاع غزة، ومذكرة الاعتقال الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى تصاعد الانتقادات الدولية لسياسات حكومته.
وبحسب أرشيف وزارة الخارجية الأميركية، بلغ عدد اللقاءات الرسمية التي عقدها نتنياهو مع الرؤساء الأميركيين 38 لقاءً منذ توليه رئاسة الحكومة للمرة الأولى عام 1996، وهو رقم غير مسبوق بين رؤساء حكومات الإحتلال، ما يعكس طبيعة العلاقة الخاصة التي بناها مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، من بيل كلينتون مروراً بباراك أوباما وجو بايدن، وصولاً إلى دونالد ترامب في ولايتيه.
احتجاجات عارمة
بدأت التحركات الاحتجاجية منذ الساعة الثامنة والنصف صباحاً، عندما نظمت مجموعة دينية تضم يهوداً ومسيحيين ومسلمين وقفة أمام البيت الأبيض طالبت باعتقال نتنياهو ومحاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب، كما دعت إلى وقف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
ورفع المشاركون شعارات تدعو إلى وقف إطلاق النار، وإنهاء تجويع سكان غزة، ووقف ما وصفوه بالإبادة الجماعية، إضافة إلى مطالبات بوقف تسليح إسرائيل وإنهاء الدعم الأميركي للحرب.
وتواصلت الفعاليات بعد ذلك مع تنظيم مظاهرات قادتها مجموعات ليبرالية أميركية وناشطون عرب وفلسطينيون، حملوا الأعلام الفلسطينية ولافتات تتهم الحكومة الإسرائيلية باستهداف المدنيين والمخيمات، مطالبين بوقف التمويل الأميركي للعمليات العسكرية في غزة.
شهادات طبية تدين الحرب
ومن أبرز محطات الاحتجاجات مشاركة أطباء أميركيين، إذ تحدث الطبيب المتقاعد جون ريورر، المنتمي إلى حركة "أطباء ضد الإبادة الجماعية"، مؤكداً أن ما يجري في غزة يمثل كارثة إنسانية غير مسبوقة خلال مسيرته الطبية.
وقال إن استهداف المستشفيات والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف لم يشهد له مثيلاً في مناطق النزاعات التي عمل فيها عبر خمس قارات، مستشهداً بقضية الطفلة هند رجب، التي تحولت إلى رمز عالمي بعد استهداف سيارة الإسعاف التي حاولت إنقاذها، إضافة إلى قضية الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية المعتقل لدى السلطات الإسرائيلية بعد رفضه مغادرة المستشفى الذي كان يعمل فيه.
انقسام داخل الأوساط اليهودية
ولم تقتصر الاحتجاجات على المنظمات الفلسطينية والعربية، بل شهدت مشاركة لافتة لتيارات يهودية مختلفة، وإن اختلفت دوافعها السياسية.
فقد نظمت جماعة "ناطوري كارتا"، المعروفة بمعارضتها الفكر الصهيوني ورفضها قيام دولة إسرائيل، وقفة احتجاجية وصفت خلالها نتنياهو بأنه "لا يمثل اليهود"، معتبرة أن الصهيونية تستخدم الدين لتبرير الاحتلال والحرب.
في المقابل، نظمت منظمة "New Jewish Narrative"، التي تصف نفسها بأنها "صهيونية تقدمية"، تظاهرة منفصلة رفعت خلالها شعار "أنقذوا إسرائيل من نتنياهو"، مؤكدة دعمها لحل الدولتين، لكنها حمّلت رئيس الوزراء الإسرائيلي مسؤولية تعميق الانقسام الداخلي والإضرار بصورة إسرائيل عالمياً.
ويعكس تنظيم الفعاليتين بشكل منفصل حجم التباين داخل المجتمع اليهودي الأميركي، بين تيارات ترفض الصهيونية بالكامل وأخرى تؤيد إسرائيل لكنها تعارض سياسات حكومة نتنياهو.
احتجاجات خلال جنازة ليندسي غراهام
وتزامنت الزيارة أيضاً مع مشاركة ترامب ونتنياهو في مراسم تشييع السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، أحد أبرز الداعمين لإسرائيل داخل الكونغرس الأميركي.
وأمام الكاتدرائية التي استضافت مراسم الجنازة، نظم ناشطون وقفة احتجاجية طالبوا خلالها بوقف الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، ورفعوا شعارات ترفض تمويل الحروب باستخدام أموال دافعي الضرائب الأميركيين، معتبرين أن استمرار الدعم الأميركي يسهم في إطالة أمد الصراع.
مسيرة حاشدة رغم الأمطار
وفي المساء، شاركت منظمات عدة، أبرزها "الصوت اليهودي من أجل السلام"، وحركة الشباب الفلسطيني، وحزب الاشتراكية والتحرير، في مسيرة كبيرة أمام البيت الأبيض، رغم هطول أمطار غزيرة.
وردد المتظاهرون هتافات تصف نتنياهو بـ "مجرم الحرب"، مطالبين بوقف الحرب في غزة، وسحب الاستثمارات من الشركات المرتبطة بالعمليات العسكرية، ووقف الدعم الأميركي لإسرائيل، كما رفعوا شعارات تطالب بإنهاء الحرب على غزة ولبنان، ووقف التصعيد الإقليمي.
وأكد متحدثون خلال المسيرة أن زيارة نتنياهو إلى واشنطن تأتي في وقت يواجه فيه اتهامات دولية خطيرة، معتبرين أن استقباله رسمياً في البيت الأبيض يمثل تجاهلاً للمطالبات الدولية بمحاسبته.
مذكرة الجنائية الدولية تزيد الضغوط
وتأتي الاحتجاجات بالتزامن مع استمرار الجدل القانوني حول مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في 21 تشرين الثاني 2024 بحق نتنياهو ووزير الأمن الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
وفي هذا السياق، جدد الاتحاد الأوروبي تذكير الدول الأعضاء بالتزاماتها بموجب نظام روما الأساسي، بعدما عبرت طائرة نتنياهو أجواء اليونان وإيطاليا وفرنسا في طريقها إلى الولايات المتحدة، مؤكداً دعمه الكامل للمحكمة الجنائية الدولية ومبادئ العدالة الدولية، مع التشديد على ضرورة التعاون مع المحكمة وعدم الإفلات من العقاب.
لقاء ترامب ونتنياهو
ورغم الاحتجاجات الواسعة، عقد ترامب ونتنياهو اجتماعاً في البيت الأبيض، وصفه الرئيس الأميركي لاحقاً بأنه "إيجابي جداً"، مشيراً إلى أنه تناول عدداً من الملفات المهمة، دون الكشف عن تفاصيلها.
وبالتزامن مع التحركات السياسية في واشنطن، شهدت الضفة الغربية تصعيداً ميدانياً، تمثل في اعتداءات نفذها مستوطنون على تجمعات فلسطينية، وإحراق مركبات، وتهديد عائلات بالتهجير، فضلاً عن اقتحامات نفذها الجيش الإسرائيلي في عدة مدن وبلدات.
كما أثارت تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش جدلاً جديداً بعد تبنيه عمليات هدم المنازل الفلسطينية، وإعادة تأكيده أن الضفة الغربية "جزء لا يتجزأ من إسرائيل"، في وقت يواصل فيه الدعوة إلى ضم معظم أراضي الضفة ومنع قيام دولة فلسطينية.