اخر الاخبار

بعد مرور 149 يوما على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت مؤشرات تهدئة حذرة تلوح في الأفق مع تصاعد التحركات الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار المؤقت، بالتزامن مع استمرار تبادل الرسائل السياسية والعسكرية بين الطرفين، في وقت يبقى فيه مضيق هرمز محور الخلاف الأبرز.

وكشفت وكالة "أسوشيتد برس" نقلا عن مسؤول إقليمي أن واشنطن وطهران ترغبان في العودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، فيما تدور مفاوضات حول صيغة وسط تسمح باستئناف حركة الملاحة في مضيق هرمز مقابل تخفيف بعض القيود المفروضة على السفن. 

هرمز.. العقدة الأساسية في المفاوضات

تحولت قضية مضيق هرمز إلى الملف الأكثر حساسية في المفاوضات الجارية، إذ أكدت مصادر إيرانية أن المحادثات التي استضافتها سلطنة عمان خلال اليومين الماضيين بشأن إعادة فتح المضيق كانت "بناءة"، لكنها ربطت أي تقدم بوقف الهجمات الأميركية.

وفي المقابل، أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأن سلطنة عمان طرحت آلية إقليمية لإدارة الخدمات في المضيق، بينما تتمسك طهران بالحصول على مكاسب اقتصادية ورسوم مرتبطة بحركة عبور السفن.

ورغم الحديث عن انفراج محتمل، لا تزال حركة الملاحة محدودة، إذ أظهرت بيانات ملاحية عبور أقل من عشر سفن يوميا خلال عطلة نهاية الأسبوع، فيما أعلن التلفزيون الإيراني إعادة خمس سفن حاولت المرور عبر ممرات غير معتمدة، مؤكدا أن الملاحة يجب أن تتم عبر المسار المحدد فقط.

توقف الضربات وإيران توقف الرد

ميدانيا، أعلن المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمينيا أن الولايات المتحدة أوقفت هجماتها خلال الليلتين الماضيتين، ولذلك أوقفت طهران أيضا "ردودها الانتقامية"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن القوات المسلحة الإيرانية في حالة استعداد كامل، مؤكدا أن أي اعتداء جديد سيواجه "برد أقوى".

من جانبه، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استمرار تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة عبر وسطاء إقليميين، بينهم قطر وباكستان وسلطنة عمان، لكنه امتنع عن الحديث عن تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات.

إسرائيل تتمسك بالخيار العسكري

في المقابل، أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موقفا مغايرا لمسار التهدئة، مؤكدا أن الحرب لن تنتهي إلا بإسقاط النظام الإيراني أو إضعافه إلى الحد الذي يجبره على إنهاء برنامجه النووي، في إشارة إلى استمرار التباين بين الرؤية الإسرائيلية والجهود الدبلوماسية الجارية.

وعلى الصعيد العسكري، نقلت شبكة "سي إن إن" عن العقيد الأميركي المتقاعد سيدريك لايتون أن إيران ما تزال تمتلك نحو ثلثي ترسانتها الصاروخية والمسيّرة، معتبرا أنها قد تكون في موقع أفضل لخوض حرب استنزاف طويلة، في وقت تستهلك فيه الولايات المتحدة كميات كبيرة من الذخائر الدقيقة ومنظومات الدفاع الجوي التي يحتاج تعويضها إلى سنوات.

أسواق النفط تتفاعل مع التهدئة

انعكست مؤشرات التهدئة مباشرة على الأسواق العالمية، إذ هبطت أسعار النفط بنحو 4% عقب تعليق الضربات الأميركية، مع ترقب المستثمرين لأي اتفاق يعيد الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.

وبينما تتواصل الوساطات الإقليمية والدولية، تؤكد الاتصالات التي أجرتها السعودية وسلطنة عمان، إلى جانب المواقف الأردنية والكندية الداعية إلى الالتزام بوقف إطلاق النار، أن المجتمع الدولي ينظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة حاسمة لمنع عودة المواجهة العسكرية.

ورغم الهدوء النسبي، فإن استمرار الخلاف حول مستقبل مضيق هرمز، وتباين أهداف الأطراف الرئيسية، يجعلان أي اتفاق محتمل هشّا وقابلا للانهيار مع أول تطور ميداني، ليبقى المسار الدبلوماسي أمام اختبار صعب بين التهدئة المؤقتة واحتمال تجدد التصعيد.

جذور الصراع

وتكشف التطورات الأخيرة أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بالملف النووي الإيراني، بل بصراع على النفوذ والسيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فالولايات المتحدة تسعى إلى ضمان حرية الملاحة بما يحافظ على هيمنتها على حركة التجارة والطاقة العالمية، بينما ترى إيران أن مضيق هرمز يمثل ورقة سيادية واقتصادية لا يمكن التفريط بها في ظل العقوبات والضغوط المستمرة.

وكما في معظم الحروب، لم يكن المدنيون طرفا في اتخاذ قرار الحرب، لكنهم كانوا أول من دفع ثمنها. ففي إيران، يعيش السكان تحت وطأة العقوبات والدمار والقلق اليومي، بينما يتحمل المواطن الأمريكي أيضا أعباء الإنفاق العسكري المتزايد الذي يأتي على حساب الخدمات الاجتماعية والاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية.

أما دول المنطقة، فتجد نفسها أمام تهديد دائم لأمنها الاقتصادي واستقرارها السياسي بسبب صراع تتحكم بمساره حسابات القوى الكبرى أكثر مما تتحكم به مصالح شعوب الشرق الأوسط.

وتثبت التطورات الأخيرة أن الحوار، مهما جاء متأخرا، يبقى أقل كلفة من الحرب. فالمفاوضات التي تجري اليوم كان يمكن أن تبدأ قبل أشهر طويلة، وتجنب المنطقة خسائر بشرية واقتصادية جسيمة.

وعليه فإن أمن المنطقة لا يتحقق بتوسيع القواعد العسكرية أو سباقات التسلح أو العقوبات الجماعية، بل ببناء منظومة أمن جماعي قائمة على احترام سيادة الدول، وإنهاء سياسات الهيمنة، وضمان حرية التجارة بما يخدم الشعوب لا مصالح الاحتكارات الكبرى.