اخر الاخبار

في نهاية نيسان، نشرت صحيفة "دياريو ريد" الإسبانية الإلكترونية ومنصة "هندوراس غيت 1"، بين كانوا الثاني ونيسان 2026،  سلسلة مقالات ورسائل صوتية مسربة كشفت، عن خطط وتمويل وشبكات يمينية محافظة في أمريكا اللاتينية. ويركز التحقيق على خوان أورلاندو هيرنانديز، الرئيس الهندوراسي الأسبق المدان بتهريب المخدرات في الولايات المتحدة والذي أصدر ترامب عفواً عنه. وفي الرسائل الصوتية، ينسق سياسيون هندوراسيون يمينيون جهودهم لإعادة هيرنانديز إلى السلطة، والقضاء على المعارضين السياسيين بالقوة، وزعزعة استقرار حكومتي المكسيك وكولومبيا اليساريتين بواسطة التضليل الإعلامي الموجه.

تتضمن التسجيلات الصوتية أيضًا توسيع نطاق المدن الخاصة المعروفة بـ "زيديس"، وهي مناطق استثمار ربحية للقطاع الخاص، وبناء قاعدة عسكرية، وسنّ تشريعات تُفيد شركات الذكاء الاصطناعي. ويُقال إن كل ذلك تم بالتشاور مع الرئيس الأمريكي وبدعم نتنياهو. كما تُشير التسجيلات إلى حكومة الرئيس الأرجنتيني الفاشي خافيير ميلي، وإلى دوائر اليمين المحافظ في المكسيك.

إلى جانب هيرنانديز، تضم التسجيلات الصوتية أيضاً الرئيس الحالي لهندوراس، نصري عصفوره، المنحدر من أصول فلسطينية، ونائبة الرئيس ماريا أنطونييتا ميخيا، وعدداً من أعضاء الكونغرس. ووفقاً للتسجيلات، فإنهم جميعاً يتصرفون بناءً على أوامر هيرنانديز، الذي يسعى، وفق التسجيلات، إلى استعادة السيطرة على سلطة الدولة.

صحة التسجيلات

وفق موقع "هندوراس غيت"، خضعت التسجيلات الصوتية الـ 37 لعملية تحقق جنائي دقيقة قبل نشرها. وحدد احتمال التزوير بأقل من 10 في المائة، واحتمال صحتها تزيد على 80 في المائة وقد أُتيحت الملفات التقنية الكاملة والملفات الأصلية للعموم، مما يسمح بتحميل كل ملف والتحقق منه بشكل مستقل.

وعلى الرغم من عدم صدور قرار نهائي بصحتها، إلا أن أحداث الأشهر القليلة الماضية في هندوراس مطابقة لمحتواها. وعليه، تبدو المعلومات المسربة بمثابة دليل وخارطة طريق تربط بين الأحداث في هندوراس وأمريكا اللاتينية، وتجعل من التعاون بين اليمين العالمي والمحلي أمراً مفهوماً.

عفو ترامب ودور إسرائيل

تبدأ القصة في تشرين الثاني 2025، وقبل أيام قليلة من الانتخابات الرئاسية في هندوراس، أعلن ترامب العفو عن هيرنانديز، الذي حكم عليه في عام 2024، في الولايات المتحدة بالسجن 45 عامًا بتهمة تهريب الكوكايين وتلقي أموال لتمويل تزوير الانتخابات. واتهمه الادعاء الأمريكي بتحويل هندوراس الى "دولة مخدرات"، مما سهّل ادخال أكثر من 500 طن من الكوكايين إلى الولايات المتحدة. وبهذا العفو، أظهرت إدارة ترامب استعدادها للتعاون اللامحدود مع أباطرة المخدرات المدانين كلما خدم ذلك مصالحها.

في رسالة صوتية مؤرخة في 14 آذار، يقول هيرنانديز إن العفو عنه دُفع ثمنه من قِبل "مجموعة من الحاخامات وأشخاص يدعمون إسرائيل". وفي رسالة أخرى بتاريخ 20 كانون الثاني، يؤكد أنه يحظى بدعم نتنياهو في المستقبل: "سيدعمنا رئيس الوزراء الإسرائيلي. نحن ممتنون له للغاية؛ فقد كان لهم دور كبير في ذلك. في الواقع، كانوا مشاركين بشكل كامل في إطلاق سراحي والمفاوضات".

كتب موقع "رياكشنري إنترناشونال" المتخصص في الصحافة الاستقصائية: "لم يُفرج عن رجل أدين باستيراد أطنان من الكوكايين إلى الولايات المتحدة بسبب إعادة تقييم عقوبته، بل لأن حكومة أجنبية دفعت ثمن إطلاق سراحه. وكان العفو - أحد أقوى الأدوات التنفيذية في النظام الدستوري الأمريكي - وفقًا لهذه التسجيلات، مجرد صفقة تجارية بحتة".

وفق مؤسسة بحوث "الرجعية الدولية" اليمينية، فإنّ زيارة نصري عصفوره الرسمية الأولى في كانون الثاني الفائت، حتى قبل توليه مهام منصبه كرئيس، إلى إسرائيل، تُشير إلى الدور الذي تلعبه إسرائيل في هندوراس. التقى عصفوره برئيس دولة الاحتلال إسحاق هرتسوغ، ورئيس وزرائها نتنياهو، ووزير الخارجية جدعون ساعر. ثم سافر إلى واشنطن العاصمة، حيث التقى بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ووزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك، وغيرهم من كبار مسؤولي إدارة ترامب.

فوز اليمين الانتخابي المثير للجدل 

في هندوراس، حصد الحزب القومي، الذي ينتمي إليه هيرنانديز، أصواتًا حاسمة بفضل عفوٍ صدر قبيل الانتخابات الرئاسية. بالإضافة الى ذلك، أعلن ترامب صراحةً تأييده لمرشح الحزب القومي ي، نصري عصفوره، عبر موقعه الشخصي، وهدد بقطع المساعدات في حال عدم انتخابه. وفي نهاية المطاف، أُعلن فوز عصفوره في 24 كانون الأول 2025، بفارق أقل من ا في المائة. وقد شكك مسؤولو الانتخابات، وكذلك الحكومة التقدمية المنتهية ولايتها برئاسة شيومارا كاسترو بالنتائج.

على الرغم من أن عصفوره صرّح خلال الحملة الانتخابية بأنه لا تربطه أي صلة بهيرنانديز، إلا أن هيرنانديز وبّخه في تسجيل يعود إلى 10 آذار قائلاً: "أنا على يقين بأنك لن تخذلني. بفضلي أنت تجلس على هذا الكرسي. سأصبح رئيساً. وأتوقع دعمك. لأن هذا بالضبط ما ناقشناه مع الرئيس ترامب.

حملة قمع ضد مسؤولي مكافحة الفساد

لتسهيل عودته، أمر هيرنانديز بحملة إقصاء ضد خصومه السياسيين. منذ تولي عصفوره السلطة في نهاية كانون الثاني 2026، أُقيل عدد من كبار موظفي الخدمة المدنية من مناصبهم. في 16 نيسان، أقال الكونغرس، بأغلبية 88 صوتًا، رئيس المجلس الانتخابات الوطني وعدد من موظفي المجلس والمحكمة الخاصة بالانتخابات، لتشكيك بعضهم بنتائج الانتخابات. وفي 25 آذار، وصلت حملة التطهير إلى المدعي العام جوهيل زيلايا، واستقالت رئيسة المحكمة العليا، ريبيكا راكيل أوباندو، تحت ضغط.

في رسالة صوتية مؤرخة في 18 آذار، نقل هيرنانديز إلى توماس زامبرانو، رئيس الكونغرس: "في هندوراس، الأمر يتطلب عنفاً، ودعماً لوجستياً، وإراقة دماء. إذا أردت السيطرة على الشعب، فعليك قمعه واستغلاله ومواجهة العنف بالعنف. هذا هو شعار الرئيس ترامب".

في تسجيل يعود إلى 25 اذار، طلب هيرنانديز من رئيس القوات المسلحة السابق، روميو فاسكيز فيلاسكيز، قائمة لتحديد أماكن الأشخاص المطلوبين. فأجابه فاسكيز، الذي قاد الانقلاب المدني العسكري عام 2009 ضد الرئيس مانويل زيلايا، بأنه يملك مجموعة داخل القوات المسلحة جاهزة لبدء عملية الملاحقة.

بيع البلاد للولايات المتحدة

في رسالة صوتية بتاريخ ١٠ شباط، أوضح عصفوره لهيرنانديز: "لقد عقدنا بالفعل اجتماعًا سريًا مع مستثمرين متفائلين للغاية بشأن توسيع مشروع المدينة الخاصة في رواتان وكوماياغوا. كما سنمضي قدمًا في مشروع آخر، بالمرولا ٢، في رواتان، بالقرب من بروسبيرا، وقاعدة عسكرية - وقد تم الاتفاق على ذلك بالفعل. وسنسلم أيضًا الممر البحري العابر للمحيطات إلى شركة جنرال إلكتريك".

المناطق الخاصة للتوظيف والتنمية والمعروفة أيضًا بالمدن النموذجية أو المدن الخاصة، هي مناطق خاصة تُدار من قِبل شركات ومستثمرين من القطاع الخاص. وتتولى هذه الجهات مسؤوليات تشمل الإدارة والأمن والقضاء. وكان هيرنانديز أحد الداعمين لهذه المناطق. ففي عهده، عزل الكونغرس أربعة قضاة من المحكمة العليا عام 2012 كانوا قد قضوا بعدم دستورية المشروع، وأقرّ قانون المناطق الخاصة للتوظيف والتنمية عام 2013. وفي عهد الرئيسة كاسترو، اعتُبر المشروع مرة أخرى غير دستوري لانتهاكه سيادة البلاد.

يُعدّ مشروع بروسبيرا في جزيرة رواتان الأكثر تقدماً. ومن بين المستثمرين الملياردير بيتر ثيل، مؤسس باي بال وبالانتير، والمؤيد المقرب لدونالد ترامب ونائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس. وقد أبرمت بالانتير عقوداً بملايين الدولارات مع البنتاغون ووزارة الأمن الداخلي الأمريكية ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك. كما يُشاع أن إسرائيل تستخدم برمجيات بالانتير في قطاع غزة لجمع المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف العسكرية.

بالإضافة إلى توسيع المدن الخاصة وبناء قاعدة عسكرية أمريكية جديدة، أفادت صحيفة دياريو ريد أن هندوراس ستُصدر قانونًا لتشجيع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وسيتم منح العقود مباشرةً لشركات أمريكية خاصة.

ووفق صحيفة دياريو ريد، فإنه مقابل دعم ترامب، سيتم تحويل هندوراس إلى منطقة استراتيجية للعمليات العسكرية واللوجستية والاقتصادية الأمريكية والإسرائيلية.

ولعقود طويلة، اعتُبرت هندوراس مركزًا هامًا للعمليات الأمريكية في أمريكا الوسطى. واستمر هيرنانديز في هذه السياسة، أولًا بصفته رئيسًا للكونغرس (2010-2013) ثم رئيسًا (2014-2022)، وكان حليفًا رئيسيًا لواشنطن وتل أبيب. في عام 2015، صرّح هيرنانديز قائلًا: "طالما أنا رئيس، ستدعم هندوراس إسرائيل". في عام 2019، افتتحت حكومته مكتبًا تجاريًا ودبلوماسيًا في القدس، وفي عام 2021، نقلت إدارة هيرنانديز رسميًا سفارة هندوراس من تل أبيب إلى القدس. إلا أن حكومة زيومارا كاسترو أوقفت هذه السياسة، وعارضت النفوذ الأمريكي، وانتقدت الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين.

استهداف المكسيك وكولومبيا

حظيت معلومات نشرتها "هندوراس غيت" و"دياريو ريد" باهتمام دولي واسع، كاشفةً عن تشكيل فريق اتصالات لمهاجمة حكومتي المكسيك وكولومبيا التقدميتين. ووفقًا لرسائل مسجلة بين هيرنانديز وعصفوره ونائبة الرئيس ماريا أنطونييتا ميخيا، سيتم تمويل هذا الفريق من أموال الهندوراس ومساهمات من حكومة خافيير ميلي الأرجنتينية، بقيمة إجمالية تتجاوز نصف مليون دولار. ويُقال إن الهدف هو شن حملات إعلامية ونشر معلومات مضللة ضد الرئيسة السابقة كاسترو وزوجها الرئيس السابق زيلايا في هندوراس، وكذلك ضد حكومتي غوستافو بيترو في كولومبيا وكلاوديا شينباوم في المكسيك.

وقد علّق كل من شينباوم وبيترو على هذه المنشورات. ولفتت شينباوم الانتباه إلى الشبكة الدولية لليمين المتطرف واستراتيجيتها في نشر المعلومات المضللة بشكل مُوجّه، مؤكدةً أن هذا النوع من العمليات الإعلامية لن ينجح في المكسيك نظرًا لعلاقة الحكومة الوثيقة بالشعب. وانتقد الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو نتنياهو قائلاً: "ما الدافع الذي يدفع السيد نتنياهو لشراء حرية الرئيس السابق لهندوراس، وهو تاجر مخدرات كبير، لمجرد تدمير حكومتي كولومبيا والمكسيك؟".