اخر الاخبار

نُظِّمت القمة في العاصمة الصينية بكين، ويبدو ان الصينيين استوعبوا غرور ترامب ونرجسيته، فكان الاستقبال في المطار فائق الحفاوة. هتف أطفال بكين ولوحوا للضيف بالأعلام أمام قاعة الشعب الكبرى. كان المظهر العام لزيارة ترامب إلى بكين فخمًا ووديًا. أما خلاصة الزيارة، فكل طرف يدعي نجاحها بطريقته.

توصيف متناقض

المطلع على النتائج الأولية للمباحثات، يخرج بانطباعين متناقضين جذرياً. وفق الرواية الأمريكية، فان المحادثات ركزت على الحد من إنتاج المواد الأولية لمادة الفنتانيل هائلة التخدير، وزيادة واردات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية ودعم الصين لفتح مضيق هرمز، ورفضها لامتلاك إيران قنبلة نووية. أما البيان الصيني فلم يتضمن أيًا من هذه النقاط.

بدلا من ذلك، كانت تايوان في مركز المطالب الصينية. يقول جورج تشين، خبير الشؤون الصينية في شركة الاستشارات الاستراتيجية الأمريكية "مجموعة آسيا": "كانت تصريحات الرئيس شي جين بينغ تهدف إلى وضع حدود واضحة للولايات المتحدة. لقد أوضح شي أنه ليس هناك تسامح اطلاقا مع أي خطوات نحو استقلال تايوان، وشدد على هذا "الخط الأحمر" منذ بداية الاجتماعات. 

الملف الاقتصادي

اقتصاديا كان الرئيس الصيني أكثر مرونة، وتحدث عن حاجة الشركات الصينية إلى الانفتاح والثقة المتبادلة. وعلى الرغم من عدم تأكيد ذلك رسميًا، فان إمكانية تقديم الطرفين تنازلات أمر وارد: إذ يُقال إن واشنطن منحت تراخيص تصدير لعشر من كبرى شركات التكنولوجيا الصينية لشراء رقائق H200 المثيرة للجدل في البلدين، لامتلاكها قدرات عالية. تخشى إدارة ترامب أن تستخدمها الصين لأغراض عسكرية أو لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها؛ في المقابل، تسعى الصين إلى منع اعتماد قطاع تكنولوجيا المعلومات على الولايات المتحدة وحماية صناعة الرقائق الخاصة بها.

ووفقًا لترامب، التزمت الصين بشراء 200 طائرة من طراز بوينغ وزيادة وارداتها الزراعية من الولايات المتحدة. ومن المثير للاهتمام أن سهم بوينغ انخفض بنسبة 4 في المائة بعد الإعلان، على الرغم من أن السوق كان يتوقع حجم تداول أكبر بكثير. ومع ذلك، سيُقدّم ترامب "صفقاته" للرأي العام الأمريكي على أنها ناجحة. لكن مصادر صحفية ألمانية أكدت على أن النتائج متواضعة من وجهة نظر الولايات المتحدة. ولكن يبدو أن واشنطن لم تتمكن من تحقيق المزيد.

قال راش دوشي، أستاذ العلوم السياسة بجامعة جورج تاون، لإذاعة محلية: "يكمن التحدي الذي نواجهه في أن الديناميكيات تتغير منذ عام 2025". وقد حدثت نقطة التحول في العلاقة قبل عام تقريبًا: عندما أعلن ترامب عن فرض تعريفات كمركية جديدة على المنتجات الصينية، وردّ شي بفرض قيود على صادرات العناصر الأرضية النادرة. وأدى الذعر الذي أثاره هذا الإجراء داخل الشركات الأمريكية إلى تراجع الرئيس الأمريكي.

انعكس الموقف التفاوضي القوي للصين، في الرد بقسوة مماثلة لعنجهية ترامبً. لقد نجحت الصين فيما عجزت عنه دولٌ قليلةٌ من قبل: استخدام قوتها الاقتصادية للحفاظ على الوصول إلى السوق الأمريكية.

طبيعة النظام حاسمة

لا شك ان ترامب يملك أيضاً أوراقاً رابحة قوية؛ أولها النظام المالي الأمريكي، والدولار كسلاح فتاك. لكن المقرر في الأمر أي الزعيمين قادر على فرض تضحيات الموقف المضاد على شعبه. وفي هذا الصدد، يعتقد شي جين بينغ أن النظام الصيني يتمتع بالأفضلية: فبينما يستطيع المستهلكون الأمريكيون النزول إلى الشوارع والتعبير عن استيائهم عبر صناديق الاقتراع عند ارتفاع أسعار الوقود أو الأغذية، فان مركزية النظام الصيني وهرميته، والسيطرة على وسائل الإعلام الرئيسية، وأجهزة مراقبة وشرطة قوية. علاوة على ذلك، تراكم عقود من إعداد الشعب لنضال تاريخي، يتطلب منه الاستعداد لتقليص نفقاته.

إن تعامل بكين مع ترامب في رئاسته الثانية أفضل من رئاسته الأولى يمكن تفسيره ببساطة: فمعظم أعضاء حكومته المقربين هم من المتشددين تجاه الصين، لكن تأثيرهم يكاد يكون معدوماً هذه الأيام. دونالد ترامب، المهوس بالصفقات، لا يتحمل تعددية الرأي، بل يميل بطبعه إلى الاستبداد، والسياسة الخارجية ليست خارج هذه المعادلة.

قال الرئيس الأمريكي صباح الجمعة الفائت، خلال جولة قام بها مع شي جين بينغ في حدائق تشونغنانهاي: "مكان جميل. يمكنني أن أعتاد عليه بسهولة". وقد يحذو فلاديمير بوتين حذوه قريباً: فوفق صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الصادرة في هونغ كونغ، من المقرر أن يسافر الرئيس الروسي أيضاً إلى بكين لعقد قمة مماثلة في 20 أيار الحالي.