يكاد يكون الوضع الراهن في أفغانستان منسيا في وسائل الاعلام الغربية. وعندما يُذكر، ينصبّ التركيز عادةً على القضايا الداخلية، كعمليات الترحيل أو برامج إعادة توطين الأفغان المعرضين للخطر، في حين يغيب الوضع المعاشي لغالبية السكان، وخصوصا بعد انسحاب قوات الناتو وعودة إرهابيي طالبان الى السلطة.
وضع كارثي
بشكل عام، الصورة كارثية. أفغانستان دولة تكافح من أجل البقاء دون مساعدات دولية. أحد أسباب ذلك هو اقتصاد الحرب الليبرالي الجديد، الذي طُبّق خلال سنوات الحرب العشرين، والذي لم يستفد منه سوى جزء ضئيل من السكان، بالإضافة الى توقف تدفق المعونات المالية بعد انسحاب القوات الغربية. لقد كان لانسحاب العديد من منظمات الإغاثة أثر سلبي بالغ. يعيش غالبية الأفغان على أقل من دولار واحد يوميا، ويُترك الكثير منهم الآن بلا معيل. أما سياسياً، فقد أعادت حركة طالبان نظامها الاستبدادي ولا أحد يستطيع التصدي لممارساتها.
أعلنت طالبان الحرب على الفتيات والنساء، وتعمل تدريجيًا على إقصائهن من الحياة اليومية. مُنعت الفتيات من الالتحاق بالمدارس الثانوية، ومنذ نهاية عام ٢٠٢٢، مُنعن من الالتحاق بالجامعات. إضافةً إلى ذلك، هناك العديد من القيود المفروضة على العمل. ويجري تطبيق قاعدة منع النساء من التنقل إلا برفقة محرًم . ويتزايد القمع عامًا بعد عام، بما في ذلك نوع الملابس التي تشمل الرجال أيضا.
فساد وقمع
في البداية، اشتهرت حركة طالبان بمكافحتها الشرسة للفساد. إلا أن عناصرها، وخاصة في المدن الكبرى حلوا محل شبكات الفساد السابقة. ويشاهد قادة سياسيون وعسكريون يمتلكون سيارات فاخرة ويسكنون في شقق فخمة. وينطبق هذا بشكل أساسي على كبار القادة.
ومن جانب آخر لا تتوفر معلومات موثوقة بشأن القمع، فليس هناك معطيات عن عدد سجناء الرأي، إذ لا يُسمح لأحد بالدخول، ويشمل ذلك الصحفيين، ومراقبي حقوق الإنسان، ولا حتى للمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بأفغانستان. ويرسم سجناء سابقين بينهم صحفيين ورجال امن سابقين صورة قاتمة؛ فالتعذيب الشديد شائعًا. ويقوم جهاز مخابرات طالبان باعتقال الناس لأبسط الاسباب. وهناك أعمال انتقامية وحشية تُمارس ضد حرية التعبير. ويزداد الوضع خارج كابول سوءًا.
تنامي الاستياء
حتى عام 2021، كان جزء من الشعب الأفغاني يدعم حركة طالبان بشكل واضح. وقد تجلى ذلك بوضوح لدى سكان المناطق الريفية الذين عانوا معاناة شديدة خلال الحرب ولم يتلقوا أي مساعدات دولية، إذ ذهب جزء كبير منها إلى جيوب سياسي الحكومة السابقة الفاسدين. ولكن يبدو أن هذا الدعم قد تراجع بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين. فرغم سيطرة طالبان على كل شيء الآن، إلا أن وضع الشعب لم يتحسن. فحظر تعليم المرأة وعملها لا يلقى استحسان الجميع. إضافة إلى ذلك، تفرض طالبان ضرائب باهظة، تُثقل كاهل الشركات الصغيرة بشكل خاص، مما يُثير استياءً واسعًا. وعلى الرغم من انتهاء العمليات الحربية الواسعة، وتنفس الناس الصعداء جزئيا، لكن هذا لا يعني موافقتهم على سياسات النظام.
عقوبات وفقر متزايد
تؤثر العقوبات المفروضة على أفغانستان، على سكان البلاد بالدرجة الاولى ، وليس على نظام طالبان. ولذلك، يقابلها الكثير من الأفغان بالاستغراب وعدم الفهم. والسؤال الشائع الموجه للغرب هو: "لقد جئتم إلى هنا وأطحتم بطالبان. ثم خضتم حربًا دامت عشرين عامًا. ثم انسحبتم، وأعدتم السلطة لطالبان بصفقة مخزية ، فلماذا نعاقب الآن؟
وما يزيد معاناة الناس ، هو أن احتياطيات الدولة المجمدة، الموجود نصفها في سويسرا، تُدار من قبل صندوق يشارك فيه افراد من حكومة كابول السابقة، متورطون في فضائح فساد عديدة. هؤلاء السياسيون وأمراء الحرب، راكموا ثروات شخصية طوال سنوات احتلال الناتو وحولوا مليارات الدولارات من المال العام إلى الخارج. إلى أوروبا، وإلى الولايات المتحدة الأمريكية، ودبي .
التشبث بالأمل
الصورة الغائبة عن الكثيرين في بلدان الأزمات، ومنها أفغانستان، حيث يتشبث الناس بالأمل . فهناك العديد من طلاب المدارس والجامعات الذين يقولون: لا نريد أن نقع في براثن الاكتئاب، فنحن نواصل تعليمنا بأنفسنا. ننظم دروسًا عبر الإنترنت، ونستمر في التعلم. ستأتي أوقات أفضل. وبالطبع، هناك أيضا صور مشابهة في قطاعات مجتمعية أخرى.