نظّم الحزب الشيوعي السوداني مؤخرًا، في لندن مساء السبت الماضي ١٤ شباط ٢٠٢٦، لقاءً إعلاميًا حول مستجدات المشهد السياسي السوداني وتطوراته، تحدّث فيه فتحي الفضل وصدقي كبلو، عضوا اللجنة المركزية والمكتب السياسي، وعبد الرحيم أبا يزيد ممثل منظمة الحزب في المملكة المتحدة وأيرلندا، بمشاركة عدد من المهتمين والمتابعين والإعلاميين حضورياً وعبر منصة "زوم".
استهل الرفيق فتحي الفضل حديثه بإطلالة تاريخية على الأطماع الاستعمارية في السودان، مشيرًا إلى استمرار اهتمام القوى الدولية والإقليمية بالبلاد وانتقال تدخلها من الأساليب الناعمة إلى الحرب، التي انعكست آثارها الكارثية على الشعب السوداني والمنطقة، إذ تجاوز عدد النازحين والمهاجرين سبعة عشر مليونًا في سابقة تاريخية.
من جانبه أوضح الرفيق صدقي كبلو أن الحزب الشيوعي السوداني يرحب بكل جهد يهدف إلى إيقاف الحرب، وقد نظر بإيجابية إلى مبادرة "الرباعية" (2025) التي تضم المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، والتي أعلنت سعيها لإنهاء الصراع المسلح بعدما أصبح خطرًا على أمن المنطقة والعالم. وأظهرت التطورات الإقليمية محاولة تدخل بعض الدول، مثل إثيوبيا، في استضافة معسكرات لتدريب عناصر من قوات الدعم السريع، ما يعكس تحوّل النزاع إلى صراع إقليمي معقد. وأكد أن الحزب الشيوعي يطالب بوقف الحرب، إيمانًا بأن ذلك يمكّن الشعب السوداني من الإمساك بزمام أموره بنفسه.
وأشار مجمل حديث المتحدثين ومداخلات المشاركين إلى استمرار تصاعد الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مع تزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي أودت بحياة مدنيين وتسببت في نزوح واسع ونقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية، فيما تصف الأمم المتحدة الوضع بأنه من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. كما لفتوا النظر إلى مؤشرات تدخلات إقليمية تعكس تحوّل النزاع إلى صراع أكثر تعقيدًا، بالتوازي مع جهود دبلوماسية لإحياء مفاوضات السلام وتقديم المساعدات الإنسانية.
وتناول اللقاء الإعلامي المبادرات السياسية المطروحة، ومن بينها "إعلان نيروبي" (2025) الذي يسعى إلى تشكيل حكومة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، وهو ما يراه معارضوه تهديدًا لوحدة السودان، في مقابل "وثيقة القاهرة" (2024) التي تدعو إلى الحفاظ على الدولة الموحدة وإطلاق حوار سياسي لمرحلة انتقالية مدنية. كما عُرضت ملامح خطة السلام التي تتبناها "الرباعية"، وتشمل هدنة إنسانية ووقفًا دائمًا لإطلاق النار وفترة انتقالية مدنية وإصلاح المؤسسة العسكرية، مع بقاء التنفيذ متعثرًا بسبب مخاوف الأطراف من فقدان نفوذها.
وأكد الحزب الشيوعي السوداني أن الحرب نتيجة لاستمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على الدولة، معلنًا رفض أي تسوية تقوم على اتفاق ثنائي بين الجيش والدعم السريع، وداعيًا إلى بناء سلطة مدنية تستند إلى قوى الثورة ولجان المقاومة والنقابات المهنية والمجتمع المدني، مع تفكيك الدولة العسكرية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، باعتبار أن أي صفقة بين القيادات العسكرية ستعيد إنتاج الانقلاب.
وشدد اللقاء الإعلامي على مبادرة الحزب الشيوعي الداعية إلى وقف الحرب واسترداد مسار الثورة، التي أعلنتها لجنته المركزية في ديسمبر/كانون الأول 2024 ووجّهتها إلى القوى السياسية والمهنية والمدنية وحركات الكفاح المسلح والقوى الداعية للتغيير الجذري، بهدف استعادة دور الحركة الجماهيرية وإنهاء الحرب وكشف مصالح القوى المحلية والأجنبية الساعية لاستمرارها.
وأوضح المتحدثون أن المبادرة تمثل تطويرًا لخط الحزب القائم على إقامة جبهة قاعدية واسعة توحّد قوى ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 وتنظم الجماهير في الداخل والخارج، بما يتيح مخاطبة المجتمع الدولي بصوت واحد، وصولًا إلى انتقال ديمقراطي كامل يقوم على التداول السلمي للسلطة، وإنجاز الأسس القانونية والدستورية والمؤسسية للحكم عبر مؤتمر دستوري يتوافق فيه السودانيون على شكل الحكم وتوزيع الموارد وتحقيق التنمية المتوازنة في جميع الأقاليم.
كما أشار الرفيق عبد الرحيم أبا يزيد، ممثل الحزب في المملكة المتحدة وأيرلندا، إلى جهود الحزب في تكوين (جبهة شعبية قاعدية واسعة)، وأن يد الحزب ممدودة لكل القوى المدنية والاجتماعية من أجل توحيد لجان المقاومة والنقابات المهنية والكيانات المطلبية والقوى السياسية الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى السودانيين في المهجر، ضمن إطار تنسيقي واحد يعمل بصورة سلمية للضغط من أجل إنهاء الحرب وبناء سلطة مدنية. فالهدف هو تنظيم النشاط الجماهيري في الداخل والخارج، وتوحيد الخطاب المدني تجاه المجتمع الدولي، وقيادة حراك سلمي واسع يطالب بوقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية، ثم إطلاق عملية سياسية سودانية خالصة تفضي إلى انتقال ديمقراطي كامل. كما تسعى المبادرة إلى إعداد بديل مدني قادر على إدارة المرحلة الانتقالية، ووضع الأسس الدستورية والقانونية للدولة، وصولًا إلى مؤتمر دستوري يحدد شكل الحكم وتوزيع الموارد والتنمية المتوازنة بين الأقاليم.
واختُتم اللقاء بالتأكيد أن موقف الحزب الشيوعي، إذ يستند إلى مصالح الشعب السوداني ومستقبله، فإن التعاون الدولي مرحب به في مجالات الإغاثة والضمانات السياسية ومراقبة تنفيذ أي اتفاق سلام، على أن يبقى القرار السياسي بيد السودانيين أنفسهم، بحيث يكون الدعم الخارجي مساندًا للعملية الوطنية لا بديلاً عنها.