اخر الاخبار

لا يكشف توجه الحكومة نحو صندوق النقد الدولي عن أزمة طارئة بقدر ما يكشف إفلاس سياسة مالية ريعية، ربطت الاقتصاد والموازنة بسعر برميل النفط ورهنتهما بتقلبات الأسواق والحروب. فبعد أن قُدّم خفض قيمة الدينار بوصفه إجراءً يجنّب البلاد الاقتراض الخارجي، يتضح أن كلفته دُفعت أولاً من جيوب الكادحين، عبر ارتفاع الأسعار وتآكل الدخول، ثم عادت الحكومة إلى الباب ذاته الذي قالت إنها تتفاداه.

والأخطر أن قروض الصندوق لا تأتي مجردة، انما مقرونة بشروط معروفة: تقليص الدعم، ورفع أسعار الوقود والكهرباء، وتقشف يطال الإنفاق الاجتماعي. إنها وصفة تحمّل الفقراء وذوي الدخل المحدود ثمن اختلالات صنعتها منظومة المحاصصة والفساد وسوء الإدارة، فيما تبقى الثروات الكبرى والامتيازات بمنأى عن المساءلة. فالسيادة المالية لا تُصان بالاستدانة من مؤسسات تفرض أجندتها على القرار الاقتصادي الوطني.

ثمة بديل لا يمر عبر التبعية، وانما هو ضريبة تصاعدية على الأرباح والثروات الكبيرة، واسترداد الأموال المنهوبة، وضبط الهدر ومنافذ التهريب، وإحياء الزراعة والصناعة الوطنية لتنويع الاقتصاد، وحماية شبكة الضمان الاجتماعي.

وعلى الحكومة أن تصارح العراقيين بحجم التمويل وشروطه، وأن يُعرض أي اتفاق على البرلمان ويخضع لنقاش عام شفاف، لا أن يُدار خلف الأبواب المغلقة.

النقد الدولي: برنامج إقراض للعراق!

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا قالت إن الصندوق يعتزم دعم العراق "بقوة" من خلال التمويل والمشورة بشأن السياسات، في حين أشارت إلى إحراز تقدم في المباحثات بين الصندوق ولبنان بشأن برنامج دعم مالي، مع بقاء ملفات تحتاج إلى مزيد من العمل المشترك.

وأضافت جورجيفا، خلال مؤتمر صحفي في ختام الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك أمس السبت، "سنقدم للعراق الدعم بالمال والسياسات". وذكرت رئيسة الصندوق أن العراق طلب برنامج إقراض، غير أنها لم تكشف عن تفاصيل قيمة القروض والشروط التي تطلبها المؤسسة المالية الدولية من بغداد مقابل هذا التمويل.

لا يمول الرواتب ويرتبط باشتراطات

في هذا الصدد، قال عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، إن ما طرحه رئيس الوزراء علي الزيدي بشأن الاقتراض في مجلس النواب، يرتبط بحاجة مالية قد تتكرر على مدى 12 شهراً، مع موعد صرف كل راتب، في ظل الحاجة إلى توفير السيولة، وبالاقتراض الذي لا يحقق مردوداً اقتصادياً.

واضاف كوجر في حديثه مع "طريق الشعب"، أن صندوق النقد الدولي لا يمنح قروضاً لتمويل الرواتب أو تغطية النفقات التشغيلية، مبيناً أن الاقتراض الذي طلبته الحكومة سيكون للجانب الاستثماري أو لتمويل المشاريع، ولا يُستخدم لتغطية رواتب الموظفين.

وتابع أن الاقتراض من صندوق النقد الدولي لا يخلو من الالتزامات والاشتراطات، التي قد تشمل تنفيذ إجراءات إصلاحية تتعلق بتعزيز الدور الرقابي، ومكافحة الفساد، وتغيير الأنظمة المالية والاقتصادية.

وأشار إلى أن الاقتراض في ظل الوضع المالي الراهن للعراق قد يكون منطقياً بسبب نقص السيولة، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين الاقتراض لتغطية النفقات التشغيلية، التي تُستهلك من دون تحقيق مردود اقتصادي، والاقتراض المخصص لمشاريع تحقق عوائد.

تحذير من الكلفة!

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي إن تقدم العراق بطلب للحصول على قروض من صندوق النقد الدولي، تكشف تناقضاً في الموقف الحكومي بشأن خفض سعر صرف الدينار وتجنب اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.

وأضاف الهاشمي في حديثه مع "طريق الشعب"، أن مصادر في صندوق النقد الدولي كشفت بدء المفاوضات بين العراق ومسؤولي الصندوق، مشيراً إلى أن الصندوق سيدعم حصول العراق على تمويل، بحسب ما ورد في التصريحات المنقولة عن رئيسته.

وأوضح أن لجوء الحكومة إلى صندوق النقد الدولي يتعارض، بحسب تقديره، مع تبرير رئيس الوزراء علي الزيدي خفض سعر الصرف بأنه إجراء لتجنب خيارات أكثر إيلاماً، من بينها الاقتراض الخارجي، معتبراً أن هذه الخطوة تثير تساؤلات بشأن إدارة السياسة المالية.

وأشار الهاشمي إلى أن الاقتراض من الصندوق قد يرتبط باشتراطات تتعلق بإدارة الإنفاق وتعظيم الإيرادات، وربما رفع الدعم عن عدد من القطاعات، ولا سيما الوقود والكهرباء والقطاعات الأخرى ذات الإنفاق المرتفع.

ودعا الحكومة العراقية إلى مصارحة المواطنين بشأن توجهها نحو الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وتوضيح الأسباب والمبررات التي دفعتها إلى اتخاذ هذه الخطوة، ولا سيما بعد خفض قيمة الدينار قبل أسابيع قليلة.

وحذّر الهاشمي من كلفة قروض صندوق النقد الدولي، مرجحاً ظهور آثارها تدريجياً بعد تسلّم الحكومة الدفعة الأولى، ومشيراً إلى أن توصيات الصندوق قد تتحول خلال المرحلة المقبلة إلى شروط ملزمة للحكومة.

أين المشاريع المدرة؟

الى ذلك، قال الخبير الاقتصادي علي دعدوش إن تغيير سعر الصرف تبيّن أنه كان خطوة تمهيدية للتفاوض والقبول مع صندوق النقد الدولي بشأن البرنامج التمويلي.

وأضاف دعدوش في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن الأثر المالي لتغيير سعر الصرف يبلغ نحو 16 تريليون دينار فقط، معتبراً أنه لا يساوي شيئاً مقارنة بأهمية حوكمة الإيرادات غير النفطية.

وتساءل عن امتلاك العراق اساساً لمشاريع استراتيجية أو استثمارية مدرّة للدخل، يمكن أن تبرر طلب تمويل خارجي.

ونبّه دعدوش إلى أن برامج صندوق النقد الدولي مع الدول النفطية تتضمن عادةً "إصلاح الدعم" بالتوازي مع توفير حماية اجتماعية موجّهة، مرجحاً أن يطالب الصندوق بخفض فاتورة الأجور وتنويع الاقتصاد.

وأشار إلى أن رفع الدعم عن الوقود في بعض القطاعات، وتقليص مفردات التموين، وتعديل سعر الصرف، تبدو خطوات تمهيدية هدفها إظهار جدية الحكومة أمام الصندوق قبل بدء المفاوضات.