يكشف مسار السياسة الاقتصادية في العراق عن إشكالية تتجاوز الضغوط المالية الراهنة، لتطال طبيعة النهج الحكومي في إدارة الموارد وتحديد الأولويات، في ظل تغيير سعر صرف الدينار والتوجه إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، بالتوازي مع تضخم النفقات الجارية.
ويطرح هذا المسار تساؤلات بشأن جدوى الاكتفاء بإجراءات توفر سيولة آنية من دون إحداث تحول في بنية الاقتصاد، فيما تتجه الانتقادات إلى غياب المعالجات الجذرية التي تحد من الاعتماد على الإيرادات النفطية، وتوسّع الإنتاج المحلي، وتضمن ألا تتحول أزمات المالية العامة المتكررة إلى أعباء إضافية يتحملها المواطنون ومستقبل الاقتصاد العراقي.
مشكلة النموذج الاقتصادي القائم
يقول أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن تقييم النهج الاقتصادي للحكومة العراقية يتطلب النظر إلى طبيعة النموذج الاقتصادي القائم وقدرته على تحقيق الاستقرار المالي والتنمية المستدامة، مشيراً إلى أن تغيير سعر صرف الدينار قد يخفف الضغوط الآنية على الخزينة العامة، لكنه لا يعالج بمفرده الاختلالات الهيكلية المرتبطة بالاعتماد على الإيرادات النفطية وتضخم النفقات وضعف الإنتاج المحلي.
ويضيف السعدي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن رفع سعر الدولار من نحو 1320 إلى 1520 ديناراً وفق السعر المعتمد للبيع للجمهور يعكس الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة، في ظل تراجع الإيرادات النفطية واضطراب الصادرات، مع إقراره بصعوبة تأمين الرواتب والالتزامات الأساسية.
ويبين أن الاعتراف بحجم الأزمة المالية لا يعني بالضرورة أن الأدوات المستخدمة لمعالجتها هي الأفضل اقتصادياً، مشيرا الى أن تغيير سعر الصرف يتيح للدولة الحصول على عدد أكبر من الدنانير مقابل عائداتها النفطية المقومة بالدولار، ما يحسن قدرتها الحسابية على تمويل الإنفاق المحلي، لكنه لا يعني خلق ثروة جديدة أو زيادة الإنتاج الحقيقي.
وقد تترافق هذه الخطوة، بحسب السعدي، مع ارتفاع تكاليف الاستيراد وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، خصوصاً في ظل اعتماد السوق العراقية على السلع المستوردة وضعف البدائل المحلية.
وينبه إلى أن آثار هذه السياسة لا تقتصر على المستهلكين، إذ يمكن أن تطال أصحاب المشاريع والتجار والصناعيين نتيجة ارتفاع تكاليف المواد الأولية والنقل والتشغيل، بما قد ينعكس على مستويات الاستهلاك والاستثمار وفرص العمل في القطاع الخاص.
وفي ما يتعلق بالتداعيات المتوسطة الأجل، يحذّر السعدي من أن يتحول تغيير سعر الصرف إلى بديل عن الإصلاح المالي، بدلاً من معالجة الخلل بين الإيرادات والنفقات.
واستشهد بالمخاطر التي تناولها تقرير صندوق النقد الدولي بشأن العراق لعام 2025، ولا سيما تضخم فاتورة الأجور والتقاعد، وضعف الإيرادات الضريبية غير النفطية، واستمرار الاعتماد الكبير على النفط، إلى جانب الحاجة إلى إصلاحات مالية وهيكلية تدعم القطاع الخاص وتحد من الضغوط على الموازنة.
ويؤكد السعدي على ضرورة التمييز بين الإجراءات الطارئة التي قد تفرضها أزمة مالية استثنائية والسياسات الاقتصادية المستدامة، مبيناً أن نجاح الإجراءات النقدية ينبغي أن يُقاس بقدرتها على حماية الاستقرار الاقتصادي وإعادة التوازن، لا بمجرد توفير سيولة مؤقتة للخزينة.
ويشكك السعدي في قدرة الحكومة على معالجة العجز المالي من دون زيادة الأعباء على المواطنين، والإجراءات التي ستتخذها لتقليص الاعتماد على النفط.
لا معالجات كافية للاختلالات
من جانبه، قال الباحث في الشأن الاقتصادي حسنين تحسين، أن القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة العراقية، وفي مقدمتها تغيير سعر صرف الدينار والتوجه إلى صندوق النقد الدولي لطلب التمويل، تعكس استمرار التعامل مع الأزمة المالية من زاوية توفير السيولة وتغطية الالتزامات، من دون أن تقترن حتى الآن بمعالجة كافية للاختلالات البنيوية التي تجعل الاقتصاد العراقي شديد الاعتماد على الإيرادات النفطية.
واضاف تحسين في حديثه مع "طريق الشعب"، أن تقييم السياسة الاقتصادية للحكومة لا ينبغي أن ينطلق من قرار تغيير سعر الصرف وحده، وإنما من مجمل النهج الذي يحكم إدارة الموارد العامة والإنفاق والاستثمار، ومدى قدرة هذا النهج على بناء اقتصاد منتج. فالمشكلة الأساسية، بحسب تقديره، تتمثل في اتساع الالتزامات المالية للدولة مقابل محدودية مصادر الإيرادات البديلة، واستمرار اعتماد الموازنة على النفط لتمويل النفقات التشغيلية، وفي مقدمتها الرواتب والاستحقاقات الحكومية.
وتابع أن رفع سعر بيع الدولار للجمهور من 1320 الى 1520 ديناراً يمنح الحكومة عائداً أكبر بالدينار مقابل الدولار من الإيرادات النفطية، لكنه لا يحقق زيادة مماثلة في الثروة الحقيقية أو القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
وفي المقابل، اشار الى ان كلفة هذا التغيير تنتقل إلى السوق المحلية من خلال ارتفاع أسعار السلع المستوردة وتكاليف الإنتاج، بما يضغط على القوة الشرائية للمواطنين ويزيد الأعباء على أصحاب المشاريع والأنشطة التجارية والصناعية.
وواصل القول أن اللجوء إلى تغيير سعر الصرف لتخفيف الضغوط المالية يطرح تساؤلات بشأن طبيعة المعالجة الحكومية للعجز، هل تتجه السياسة الاقتصادية إلى تصحيح الخلل بين الإيرادات والنفقات، أم تعتمد على إجراءات تمنح الخزينة قدرة مالية إضافية من دون تغيير أسباب الاختلال؟ فاستمرار نمو النفقات الجارية بوتيرة لا تتناسب مع الموارد المتاحة يجعل الموازنة عرضة للأزمات كلما تراجعت أسعار النفط أو تعطلت الصادرات.
وفي ما يتعلق بالتوجه إلى صندوق النقد الدولي لطلب التمويل، رأى تحسين أن هذه الخطوة تكشف حجم الضغوط التي تواجه المالية العامة، وتستدعي توضيحاً حكومياً بشأن أسباب الحاجة إلى التمويل الخارجي، وأوجه استخدامه، والتزامات السداد، والإصلاحات التي سترافقه. فالاقتراض قد يوفر موارد لتجاوز ضائقة مالية، لكنه لا يمثل بحد ذاته إصلاحاً اقتصادياً، ولا يضمن معالجة العجز إذا استمرت الأسباب التي أدت إليه.
ترهم تحسين جوهر الإشكالية باحتمالية استمرار دورة اقتصادية تتراجع فيها الإيرادات النفطية، فتتجه الحكومة إلى إجراءات مالية ونقدية أو الاقتراض لتغطية الالتزامات، ثم تعود الضغوط مع أي صدمة جديدة، من دون بناء مصادر دخل مستقرة وقاعدة إنتاجية تقللان الاعتماد على النفط. وحذّر من أن استمرار هذه الحلقة قد يضيّق خيارات السياسة المالية مستقبلاً، ويزيد حساسية الاقتصاد تجاه الصدمات الخارجية.
وأكد أن تبعات هذا النهج لا تتوقف عند الموازنة، إذ يمكن أن تؤثر في مناخ الاستثمار وثقة القطاع الخاص، خصوصاً عندما تتغير الظروف النقدية والمالية من دون رؤية اقتصادية متكاملة وواضحة. كما أن استمرار توجيه الجزء الأكبر من الموارد إلى الإنفاق الجاري يحد من قدرة الدولة على توفير تمويل مستدام للبنية التحتية والمشاريع الإنتاجية والخدمات التي تدعم النمو وتوسع فرص العمل.
وشدد تحسين على أن المطلوب الان، هو إعادة ترتيب الأولويات المالية، وضبط نمو النفقات التشغيلية، وتوسيع الإيرادات غير النفطية عبر إصلاح النظام الضريبي والكمركي، ومكافحة الفساد والتهرب المالي، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، إلى جانب إصلاح القطاع المصرفي وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار الخاص ودعم الصناعة والزراعة.
العجز المالي يهدد بتفاقم الضغوط
وطبقا للخبير الاقتصادي علي دعدوش، فإن الأزمة المالية التي يواجهها العراق كشفت هشاشة هيكل اقتصاده واعتماده الكبير على النفط، محذراً من أن استمرار النهج القائم على تمويل الإنفاق الجاري بالإيرادات النفطية، من دون تنويع مصادر الدخل وإصلاح بنية النفقات، سيبقي البلاد عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات أسواق الطاقة وممرات التصدير.
وقال دعدوش في حديث مع "طريق الشعب"، إن تعطل الملاحة في مضيق هرمز يمثل سبباً خارجياً مباشراً للأزمة الحالية، في ظل اعتماد العراق على منفذ رئيسي لتصدير النفط وعدم امتلاكه أسطول نقل خاصاً، إلا أن حجم التداعيات يكشف، بحسب تقديره، عن اختلالات هيكلية تراكمت بفعل اعتماد الحكومات المتعاقبة على النفط مصدراً أساسياً للإيرادات.
وأوضح أن النفط شكّل نحو 84 في المائة من إيرادات الربع الأول، في وقت ترتبط فيه قرابة 78 في المائة من النفقات التشغيلية بالرواتب والاستحقاقات، ما حدّ من قدرة الإنفاق الحكومي على التكيف مع التراجع الحاد في الإيرادات.
وأشار إلى أن الإيرادات الكلية انخفضت بنسبة 42 في المائة خلال النصف الأول من العام، فيما تراجعت الإيرادات النفطية بنسبة 50 في المائة، ليتحول الميزان من فائض بلغ نحو 5.29 تريليون دينار إلى عجز قدره 21.24 تريليون دينار، ولم تعد الإيرادات تغطي سوى 62.9 في المائة، من الإنفاق، وفق الأرقام التي أوردها.
ونوه بأن بيانات وزارة المالية تشير لاتساع العجز إلى نحو 22 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى، في مؤشر على حجم الضغوط التي تواجه المالية العامة مع تراجع الصادرات النفطية واستمرار الالتزامات الحكومية.
لكنه لفت في الوقت نفسه إلى مؤشرات إيجابية، من بينها نمو الإيرادات غير النفطية بنسبة 50 في المائة، والموافقة على مشاريع لمد أنابيب نفطية باتجاه تركيا وسوريا لتوفير مسارات بديلة للتصدير وتجاوز مخاطر مضيق هرمز، فضلاً عن تشديد الرقابة على العقود العامة.
وعلى المدى المتوسط، توقع دعدوش أن يكون النمو المرتقب في عام 2027، والذي يقدره صندوق النقد الدولي بنحو 19 في المائة بعد انكماش متوقع يبلغ 16 في المائة في عام 2026، ارتداداً من قاعدة اقتصادية منخفضة أكثر من كونه نتيجة إصلاحات داخلية، مشيراً إلى أن تحققه يرتبط باستقرار الملاحة في الخليج واستعادة تدفقات الصادرات النفطية.
وحذّر من أن تراكم الدين المحلي، الذي قال إنه تجاوز 109 تريليونات دينار، قد يزاحم القطاع الخاص في الحصول على التمويل، ويزيد انكشاف المصارف على الدين الحكومي، فيما قد تعيد أي انتكاسة جديدة في الصادرات النفطية العجز المالي إلى مستويات حرجة.
أما على المدى البعيد، فشدد دعدوش على أن بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات يتطلب تنويعاً حقيقياً للأنشطة الإنتاجية، وإصلاحاً تدريجياً لفاتورة الرواتب والإنفاق الجاري عموماً، مؤكداً أن إنشاء أنابيب ومسارات بديلة للتصدير يمكن أن يقلل المخاطر المرتبطة بممرات الشحن، لكنه لا يعالج أصل المشكلة المتمثل في الاعتماد المفرط على النفط.
وخلص إلى أن التحدي أمام الحكومة لا يقتصر على احتواء تداعيات الصدمة النفطية الراهنة، وإنما يمتد إلى معالجة الاختلالات التي تجعل المالية العامة شديدة التأثر بأي اضطراب في الإنتاج أو التصدير، داعياً إلى الانتقال من إدارة العجز والاقتراض عند وقوع الأزمات إلى إصلاحات تعزز الإيرادات غير النفطية، وتمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في النشاط الاقتصادي، وتقلل ارتباط الاستقرار المالي بتقلبات النفط وممرات تصديره.