لا يقتصر عبء الأمراض المزمنة في العراق على متابعة المرض وعلاجه، بل يمتد إلى ضمان وصول الدواء إلى المريض بصورة منتظمة، وبسعر يمكنه تحمله. ومع ارتفاع أعداد المصابين بالسكري وارتفاع ضغط الدم وغيرها من الأمراض التي تتطلب علاجاً مستمراً، تبرز تساؤلات بشأن قدرة السوق الدوائية على تأمين احتياجات المرضى، في ظل تفاوت توفر بعض الأصناف بين المؤسسات الصحية والصيدليات، وتباين أسعارها ومشكلات الاستيراد والتوزيع.
وتشير أحدث التقديرات الدولية الى ارتفاع أعداد المصابين بالأمراض المزمنة في العراق؛ إذ يقدر الاتحاد الدولي للسكري (IDF) عدد البالغين المصابين بالسكري في العراق بنحو 2.67 مليون شخص عام 2024، وبنسبة انتشار بلغت 13.4 في المائة بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و79 عاماً.
وفي ما يتعلق بارتفاع ضغط الدم، تقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو 6.9 مليون شخص من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و79 عاماً في العراق مصابون بارتفاع ضغط الدم عام 2024، أي بنسبة انتشار تبلغ 44 في المائة، فيما يعاني نحو 6 ملايين منهم من عدم السيطرة على المرض. وتوفر هذه الأرقام مؤشراً على حجم الحاجة إلى الأدوية والمتابعة المستمرة للأمراض المزمنة في العراق.
توزيع متفاوت بين المؤسسات الصحية
يقول منتظر الموسوي، طبيب اختصاص، إن مشكلة أدوية الأمراض المزمنة لا ترتبط دائماً بعدم وجود الدواء في العراق، وإنما تظهر أحياناً في تفاوت توفره بين المؤسسات الصحية والصيدليات، فضلاً عن تأخر بعض الأصناف أو عدم انتظام تجهيزها، مشيراً إلى أن أدوية السكري والضغط والقلب والغدة الدرقية من العلاجات التي يحتاج المرضى إلى تناولها بصورة مستمرة.
ويضيف الموسوي لـ"طريق الشعب"، أن انقطاع الدواء أو اضطرار المريض إلى استخدام بديل من دون استشارة الطبيب قد يسبب مشكلات صحية، خصوصاً لدى المرضى الذين يحتاجون إلى جرعات منتظمة ومحددة، موضحاً أن تغيير العلاج ينبغي أن يتم وفق تقييم طبي، وليس لمجرد أن الدواء الأصلي غير متوفر.
ويشير إلى أن الحديث عن كفاية الاستيرادات لا ينبغي أن يقتصر على حجم الأدوية التي تدخل البلاد، بل يجب النظر إلى وصولها فعلياً إلى المؤسسات الصحية والصيدليات وفي الوقت المناسب، مبيناً أن أي خلل في سلسلة الاستيراد أو الخزن أو التوزيع يمكن أن ينعكس مباشرة على المريض الذي يحتاج إلى العلاج بصورة يومية.
تخمة في الاستيراد وشحة في التصنيع
من جانبه، يقول الصيدلي حمزة علي، يعمل في مستشفى حكومي، إن معالجة مشكلة التسعير لا تبدأ من تحديد سعر الدواء فقط، بل من إعادة تنظيم عملية الاستيراد، بما يتناسب مع حاجة السوق، ولا سيما أدوية الأمراض المزمنة التي يعتمد عليها المرضى بصورة يومية، ولا يمكن أن تتحول وفرتها لمسألة مرتبطة بتقلبات السوق.
ويشير علي لـ"طريق الشعب"، الى أن المشكلة في أدوية الأمراض المزمنة لا ترتبط دائماً بقلة الاستيراد، وإنما بعدم وجود تقدير دقيق ومستمر لحاجة السوق لكل صنف، موضحاً أن استيراد كميات كبيرة من أدوية متشابهة لا يعني بالضرورة تغطية احتياجات المرضى، إذا كانت الأصناف المطلوبة فعلياً لا تصل بالكميات أو الأوقات المناسبة.
ويضيف أن بعض الأدوية التي تدخل السوق يمكن تصنيعها محلياً، معتبرا ان التوسع في استيراد أصناف متشابهة من دول عدة، بينها الهند وتركيا، يسهم في زيادة المعروض من بعض الأدوية في حين تبقى أدوية أخرى بينها علاجات الأمراض المزمنة، عرضة لتفاوت التوفر بين فترة وأخرى، وهذا يضع المريض امام خيارات محدودة أو يدفعه لشراء العلاج من السوق الخاصة بأسعار مختلفة.
ويرى علي أن تنظيم الاستيراد يمكن أن يكون مدخلا لمعالجة جزء من المشكلة، من خلال ربط كميات الأدوية المستوردة بالحاجة الفعلية للسوق وأعداد المرضى، بما يضمن عدم هدر الموارد على أصناف متوفرة بكميات كبيرة، مقابل وجود نقص في أدوية يحتاجها المرضى بصورة مستمرة.
ويعتقد أن الوصول إلى سوق دوائية أكثر استقرارا يتطلب بناء قاعدة بيانات واضحة عن حاجة العراق الفعلية من الأدوية، وكميات الاستيراد والإنتاج المحلي والاستهلاك، خصوصاً بالنسبة إلى أدوية الأمراض المزمنة، قبل الانتقال إلى فرض أسعار موحدة على المستهلك، لأن استقرار السعر لا يمكن فصله عن استقرار توفر الدواء نفسه.
أبرز الأمراض المزمنة
ويشير علي إلى أن ابرز الأمراض المزمنة التي يزداد الطلب على علاجاتها في العراق تشمل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب بجانب أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، مبينا أن علاج هذه الحالات يعتمد على أدوية مستمرة تختلف بحسب حالة المريض، من بينها الإنسولين وأدوية خفض السكر لمرضى السكري، وأدوية خفض ضغط الدم وأدوية القلب والكوليسترول ومميعات الدم لبعض المرضى، وادوية موسعة للشعب الهوائية لمرضى الربو وأمراض الجهاز التنفسي.
ويؤكد أن أهمية هذه الأدوية تكمن في كون المريض يحتاج إليها بصورة منتظمة، ما يجعل أي نقص أو انقطاع في بعض الأصناف أكثر تأثيراً من الأدوية التي تستخدم لفترات قصيرة.
وفي المقابل، يشدد علي على أن أي نظام لتسعير الأدوية يجب أن يراعي خصوصية المرضى المصابين بأمراض مزمنة، الذين لا يملكون خيار التوقف عن العلاج عند ارتفاع سعره أو عدم توفره، مؤكداً أن تنظيم السوق ينبغي أن يضمن حصول المريض على دوائه بصورة مستمرة وبسعر عادل، إلى جانب حماية الصيدلي من هامش ربح غير منصف.
الأمراض المزمنة سبب 60 بالمائة من الوفيات
تقول ميلاد قاسم، طبيبة، إن الأمراض المزمنة باتت تشكل تحديا أمام المؤسسات الصحية ولا سيما السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأمراض التنفسية المزمنة، مبينة أنها "لم تعد تقتصر على كبار السن إذ تسجل المؤسسات الصحية حالات بين الأطفال والشباب أيضاً، خصوصاً في الأمراض التنفسية التي قد تتفاقم أعراضها بفعل تلوث الهواء والغبار وارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية".
وتوضح قاسم لـ"طريق الشعب"، أن المرض المزمن هو حالة مرضية طويلة الأمد، تستمر غالبا ثلاثة أشهر أو أكثر، وتتطور في كثير من الأحيان بصورة تدريجية، ولا تنتقل من شخص إلى آخر، إلا أنها تتطلب متابعة طبية وعلاجا بحسب طبيعة المرض وحالة المريض.
وتشير الى ان الأمراض المزمنة تتسبب بنحو 60 في المائة من مجموع الوفيات في العالم، فيما تحدث نحو 80 في المائة من هذه الوفيات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، كما تقع قرابة نصف الوفيات بين أشخاص تقل أعمارهم عن 70 عاماً.
وتؤكد ان التعامل مع الأمراض المزمنة لا ينبغي أن يقتصر على علاج المريض عند تدهور حالته، وإنما يحتاج لتوفير الأدوية الأساسية بصورة منتظمة، وإجراء الفحوص الدورية، وضمان المتابعة الطبية المستمرة، فضلاً عن توفير أجهزة قياس السكر وضغط الدم وتعزيز الرعاية الصحية الأولية.
وتضيف أن انقطاع الدواء او تأخر الحصول عليه قد يؤدي لتدهور حالة المريض وزيادة الحاجة لمراجعة المستشفيات، مشددة على أهمية الوقاية والكشف المبكر والتوعية الصحية ومعالجة العوامل البيئية التي قد تسهم في تفاقم بعض الأمراض، ولا سيما لدى الاطفال والشباب.