اخر الاخبار

تناقض السياسات وحدود النفوذ الأمريكي

لموقع المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس"، كتب نيك ديفيس مقالًا تناول فيه فشل مشروع حصر سلاح الفصائل العراقية الحليفة لإيران بيد الدولة، رغم رغبة كلٍّ من الحكومة العراقية وواشنطن في إنجاز هذه المهمة بسرعة.

ورأى الكاتب أن هذا الفشل لم يكن نتيجة نقص الضغوط، بل نتيجة تناقض طويل الأمد في السياسة الأمريكية. فمنذ عام 2003، أسهمت الإجراءات الأمريكية، التي صُوِّرت على أنها تهدف إلى تحقيق الاستقرار في العراق، مرارًا وتكرارًا في زعزعة استقراره، ما وسّع دائرة الفوضى وعزّز قوة الفصائل. ويبدو أن إدارة ترامب تواصل النهج نفسه، واضعةً، على غرار الإدارات السابقة، ثقة مفرطة في قدرة القوة الأمريكية على تطويع المشهد السياسي العراقي المشرذم وإخضاعه لإرادتها على المدى الطويل.

محدودية الضغوط الأمريكية

وتضمنت هذه الضغوط، وفقًا للمقال، اتخاذ إجراءات ضد الفصائل، ووقف وصول العراق إلى بعض شحنات الدولار الناتجة عن مبيعاته النفطية، ورفض أول مرشح اختاره الائتلاف الحاكم لرئاسة الوزراء، بذريعة أن العراق انحدر، خلال ولاية سابقة له، إلى الفقر والفوضى العارمة. ثم رحّبت واشنطن ترحيباً مبالغاً فيه بالمرشح الذي كُلِّف بتشكيل الحكومة، والذي حدّد يوم 30 أيلول موعداً نهائياً لنزع سلاح الفصائل، كما اتفقت معه على سحب القوات الأمريكية من البلاد. وقد فسّر البعض هذه الخطوة بأنها تقوّض سردية المقاومة التي تتبناها الفصائل، ومن ثم تعزّز فرص نزع سلاحها.

ورأى الكاتب أن الضغوط الأمريكية لا تكفي لإحداث تحول جذري في سياسات الدولة العراقية؛ لأن أي محاولة لإقصاء الفصائل عن المشهد السياسي العراقي قد تنطوي على خطر اندلاع حرب أهلية. وهذا ما يجعل نجاح أوراق الضغط في تحقيق الامتثال على المدى القصير مرتبطًا بإحداث تغيير هيكلي في بنية الدولة على المدى الطويل، لا سيما أن العديد من صناع القرار وأصحاب النفوذ في العراق يكتفون بالامتثال بالقدر الذي يجنبهم ضغوطًا أشد من جانب واشنطن، سعياً إلى كسب الوقت ريثما يتحول اهتمام الإدارة الأمريكية إلى ملفات أخرى.

وذكر الكاتب مثالين يوضحان محدودية هذه الضغوط؛ إذ تراجعت القوات الحكومية عن تفتيش مجمع تابع لإحدى الفصائل بمجرد تعرضها لإطلاقات تحذيرية، كما منح رئيس الحكومة مواقع راسخة للأجنحة السياسية التابعة لعدد من هذه الفصائل، بغية توطيد العلاقة معها.

مفارقة أمريكية

ورأى الكاتب في عجز الولايات المتحدة عن إجبار الفصائل على نزع سلاحها تجسيدًا لتناقض قديم في سياستها؛ ففي الوقت الذي تصر فيه واشنطن على نزع سلاح هذه الفصائل، تتبنى سياسات تجاه العراق من شأنها تعزيز فرص تلك الفصائل في توسيع نفوذها.

فعندما حلّت واشنطن الجيش العراقي، أسهمت في تأسيس جيش جديد ضمّ في صفوفه عناصر من فصائل عسكرية عراقية كانت تعارض نظام صدام حسين. وعندما تدخلت للقضاء على الإرهاب، كان مقاتلو الفصائل ضمن القوات التي قاتلت إلى جانبها ضد تنظيم داعش. كما أن قرارها شنّ حرب على إيران جعلها، وفق قراءة الكاتب، قوةً تسهم في زعزعة الاستقرار في المنطقة، وأحيا الخطاب الأيديولوجي الذي يحشد المقاتلين في العراق، ويتيح لهم فرصة ثمينة لترسيخ نفوذهم بصمت داخل مؤسسات الدولة العراقية.

ونظراً إلى حجم الدمار والأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب، فمن المرجح أن تظل مقاومة الولايات المتحدة خطاباً قوياً تستند إليه هذه القوى لحشد الدعم الشعبي.

استشراف المستقبل

وفي ضوء ما أثبتته التجربة من أن السياسات الأمريكية المتناقضة وجّهت ضربة جديدة إلى مصداقية واشنطن، أشار الكاتب إلى أن بغداد تطمح إلى تسوية سريعة للحرب مع إيران؛ لأنها تدرك أن الفصائل الحليفة لطهران ستكون المستفيد الأكبر من حالة الفوضى في العراق، وأن السلام شرط أساسي لجذب الاستثمارات وتطوير البنية التحتية اللازمة لتعزيز مؤسسات الدولة.

وذكر الكاتب أن انسحاب القوات الأمريكية لم ينجح في تخفيف حدة المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، لا سيما في ظل الضربات الجوية الأمريكية داخل العراق المرتبطة بالحرب مع إيران. ولهذا، سيظل العداء للولايات المتحدة، إلى جانب السعي إلى الثروة والسلطة بمعزل عن سيطرة الدولة، من المحركات الرئيسية لأنشطة الفصائل المسلحة، سواء بقي النظام الإيراني أم سقط، لا سيما أن هذه القوى تبدو قادرة على تجاوز الضغوط الأمريكية، بل وحتى على تجاوز القيود التي قد تفرضها عليها طهران.