بين الدمار الذي خلّفته سنوات الحرب ومحاولات الترميم التي تقودها منظمات دولية ومحلية والأهالي، تقف المعالم الأثرية في الموصل أمام تحدي استعادة ملامحها التاريخية والحفاظ عليها من الإهمال والتدهور. ورغم ما شهدته المدينة من مشاريع لإعادة إعمار مواقع بارزة، لا تزال الحاجة قائمة إلى خطط مستدامة للصيانة والحماية، تضمن عدم ضياع ما تبقى من إرثها الحضاري، وتحفظ ذاكرة المدينة للأجيال المقبلة.
إحياء روح الموصل
يقول رئيس مؤسسة تراث الموصل، أيوب ذنون، إن مدينة الموصل تعرضت لخسائر كبيرة في مواقعها الأثرية والتراثية خلال سيطرة تنظيم داعش عليها، إذ دُمّرت عشرات، وربما مئات، المواقع، من بينها البيوت التراثية والجوامع والكنائس والمعالم التاريخية، فضلاً عن مدينة النمرود ومتحف الموصل الحضاري.
ويوضح ذنون لـ"طريق الشعب" أن المدينة القديمة كانت من أكثر المناطق تضرراً، نتيجة الدمار الذي لحق بمبانيها خلال فترة سيطرة التنظيم والعمليات العسكرية ومعركة التحرير، الأمر الذي تسبب بخسارة أجزاء مهمة من إرث الموصل التاريخي والحضاري.
ويضيف أن جهود إعادة إعمار المواقع التراثية بدأت بعد التحرير، ولا سيما منذ عام 2018، بمشاركة منظمات دولية ومحلية، من بينها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، عبر مبادرة «إحياء روح الموصل»، التي أسهمت في إعادة إعمار جامع النوري وتأهيل عدد من المنازل التراثية، فضلاً عن كنيستي الساعة والطاهرة.
ويشير إلى أن منظمات أخرى، من بينها منظمة أليف، عملت على ترميم وتأهيل متحف الموصل الحضاري وجامع المصفي، مؤكداً أن هذه المبادرات تمثل خطوات إيجابية في استعادة جزء من تراث المدينة، ولا سيما في الموصل القديمة.
ولا تقتصر جهود الحفاظ على التراث، بحسب ذنون، على المنظمات الدولية، بل امتدت لتشمل المجتمع المحلي والأهالي، الذين أسهموا في إعادة إعمار عدد من الجوامع والمواقع الدينية، من بينها جامع النبي يونس، بالتعاون مع منظمة فعل الخيرات المحلية، إلى جانب جامع النبي جرجيس وجامع النبي شيت ومواقع دينية أخرى.
ويبين أن أصحاب بعض البيوت التراثية في الموصل القديمة بادروا أيضاً إلى ترميم ممتلكاتهم والحفاظ عليها، بالتزامن مع ظهور مبادرات محلية تهدف إلى صون التراث والتعريف به، ولم تقتصر هذه المبادرات على المباني التاريخية، بل شملت إنشاء متاحف ومؤسسات مجتمعية تُعنى بحفظ الموروث الموصلي وتنشيط السياحة الثقافية.
ومن بين هذه المبادرات، يلفت ذنون إلى مؤسسة تراث الموصل، المعروفة بـ«بيت التراث»، ومؤسسة «بيتنا، بيت أهلنا»، و«دار التراث الموصلي»، وغيرها من المؤسسات والبيوت المجتمعية التي تعمل على حماية التراث وتعريف الأجيال الجديدة به، فضلاً عن تعزيز حضور المدينة على خريطة السياحة الثقافية.
ويصف ذنون المرحلة الحالية بأنها جيدة مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل ما تحقق من أعمال الترميم وإعادة التأهيل، لكنه يؤكد أن عدداً من المواقع والبنى التحتية المرتبطة بالتراث والآثار لا يزال بحاجة إلى إعادة إعمار، مشدداً على أن استكمال أعمال الترميم لا يمثل نهاية المطاف.
ويختتم بالقول إن التحدي الأهم يتمثل في ضمان استدامة هذه المواقع وإدارتها بصورة صحيحة، إلى جانب تنشيط الحركة السياحية وتوفير الظروف اللازمة لاستقبال الزوار، خصوصاً أن الموصل تشهد في الفترة الأخيرة إقبالاً متزايداً من السياح المحليين والأجانب، ما يجعل الحفاظ على تراثها مسؤولية تتجاوز إعادة بناء المباني إلى حماية هويتها التاريخية والحضارية.
الإهمال والتآكل مستمران
يقول المختص في التاريخ، جنكيز حارث، إن تراث مدينة الموصل يمثل جزءاً أساسياً من الذاكرة التاريخية والثقافية للعراق، وإن ما تعرضت له المدينة خلال السنوات الماضية ترك أثراً كبيراً على أبنيتها ومعالمها التاريخية، موضحاً أن بعض المواقع شهدت أعمال ترميم وإعادة تأهيل أعادت إليها جزءاً من ملامحها الأصلية، إلا أن هذا الجهد لا يزال بحاجة إلى الاستمرار والتوسع ليشمل المواقع التي لم تصل إليها أعمال الصيانة.
ويضيف حارث أن مشكلة التراث في الموصل لا تقتصر على الأبنية التي تعرضت للدمار، فهناك مبانٍ تاريخية قائمة، لكنها تعاني الإهمال والتآكل نتيجة غياب الصيانة الدورية، مبيناً أن ترك هذه المواقع من دون متابعة يجعلها عرضة للتدهور التدريجي، وقد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى فقدان أجزاء من تفاصيلها المعمارية التي تشكل قيمة تاريخية بحد ذاتها.
ويشير إلى أن عملية الترميم يجب ألا تكون مجرد إعادة بناء للشكل الخارجي، وإنما ينبغي أن تستند إلى دراسة تاريخية ومعمارية دقيقة تحافظ على هوية المبنى وخصائصه الأصلية، لأن تغيير المواد أو التفاصيل أو أسلوب البناء من دون مراعاة طبيعة الموقع قد يؤدي إلى فقدان جزء من قيمته التراثية.
ويؤكد أن الموصل تمتلك تنوعاً كبيراً في المباني والأسواق والدور والمواقع الدينية والتاريخية، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى رؤية شاملة تضع الحفاظ على النسيج العمراني للمدينة ضمن أولوياتها.
ويتابع أن الحفاظ على التراث مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والجهات المختصة والمجتمع المحلي، ولا يمكن أن تنجح أعمال الترميم من دون وجود خطط واضحة للصيانة والمتابعة بعد إنجاز المشاريع، موضحاً أن المبنى التاريخي، إذا جرى ترميمه ثم تُرك لسنوات من دون عناية، فإنه سيعود تدريجياً إلى حالة التدهور نفسها.
ويؤكد أن أغلب أعمال التأهيل الحالية ليست حكومية، بل تُنفذ بجهود المنظمات أو الأهالي.
ويلفت إلى أن أهمية تراث الموصل لا ترتبط بالماضي وحده، إذ يمكن لهذه المواقع أن تؤدي دوراً في تنشيط الحياة الثقافية والسياحة وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ مدينتهم، مؤكداً أن حماية ما تبقى من المباني والمواقع التاريخية تعني الحفاظ على جزء من هوية الموصل وذاكرتها، وأن التأخر في معالجة الأبنية المهددة بالإهمال قد يؤدي إلى تفاقم الأضرار التي تلحق بها.
حديقة سياحية في قلعة باشطابيا
وأطلق محافظ نينوى، عبد القادر الدخيل، الأعمال التنفيذية لإنشاء أول حديقة تاريخية سياحية في قلعة باشطابيا الأثرية، على مساحة تبلغ 10 آلاف متر مربع، في خطوة تهدف إلى تعزيز المشهد الحضري وإحياء واحدة من أبرز المعالم التاريخية في مدينة الموصل.
وذكرت محافظة نينوى، في بيان تابعته «طريق الشعب»، أنه جرى إطلاق الأعمال بحضور مفتش آثار نينوى، رويد الليلة، ومديرة مشاريع قسم الثقافة في مكتب اليونسكو – العراق، كاثرين هاين، في إطار الجهود الرامية إلى دعم مشاريع إعادة تأهيل المواقع التراثية والثقافية والسياحية في المحافظة، وإبراز القيمة التاريخية لقلعة باشطابيا ومحيطها.
إعداد قاعدة بيانات للمواقع الاثرية
وتقول الناشطة المهتمة بالشأن الثقافي والتراثي في نينوى، مريم حسان، إن الحفاظ على المعالم الأثرية في الموصل لا ينبغي أن يقتصر على إعادة إعمار المواقع التي تعرضت للتدمير، بل يتطلب وضع خطط مستدامة لحماية جميع المواقع التاريخية، بما فيها المعالم الآشورية التي تمثل جزءاً أساسياً من هوية المدينة وذاكرتها الحضارية.
وتضيف حسان لـ«طريق الشعب» أن ما شهدته الموصل من مشاريع ترميم وإعادة إعمار يمثل خطوة مهمة لاستعادة إرثها التاريخي، لكن هذه الجهود تحتاج إلى متابعة مستمرة لضمان صيانة المواقع بعد ترميمها، ومنع تعرضها للإهمال أو التدهور مجدداً. كما تؤكد ضرورة أن تتحمل الجهات الحكومية مسؤولياتها في تخصيص الموارد اللازمة لحماية الآثار، ومراقبة أعمال الترميم، وإشراك المجتمع المحلي والمهتمين بالتراث في تحديد أولويات الحماية.
وتشير حسان إلى أن المعالم الأثرية ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل شواهد على تاريخ الموصل وتنوعها الثقافي والديني، وأن فقدان أي موقع منها يعني خسارة جزء من ذاكرة المدينة. وتدعو إلى إعداد قاعدة بيانات شاملة للمواقع الأثرية والتراثية، وتحديد المواقع الأكثر عرضة للإهمال والتضرر، والعمل على حمايتها قبل أن تتفاقم الأضرار، مؤكدة أن مسؤولية الحفاظ على تراث الموصل لا تقع على عاتق المنظمات الدولية وحدها، بل تتطلب التزاماً حكومياً ومجتمعياً يضمن انتقال هذا الإرث إلى الأجيال القادمة.