يستعد التيار الديمقراطي لعقد مؤتمره العام، يوم غد، بمشاركة قوى ونخب سياسية واسعة من مختلف المحافظات، وسيفتح نقاشاً بشأن سبل توحيد القوى المؤمنة بالدولة المدنية، وترجمة هذا التوجه إلى برنامج سياسي يتناول حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد، فضلاً عن حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
وبين تشخيص اختلالات النظام السياسي وتحديد أولويات المرحلة المقبلة، يبرز رهان التيار على تحويل مخرجات مؤتمره إلى مسار عمل يمتد إلى الشارع، ويمنحه قدرة أكبر على التأثير في اتجاهات الحياة السياسية في البلاد.
مواجهة منظومة المحاصصة
في هذا الصدد، قال سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، الرفيق رائد فهمي: إن "التيار الديمقراطي يقوم على فكرة ورؤية أساسيتين تتعلقان بالواقع السياسي والاجتماعي العراقي"، موضحاً أن التصور ينطلق من أن تركيبة المجتمع العراقي وموروثه الثقافي والسياسي يشيران إلى وجود ميل واسع داخل المجتمع نحو المفاهيم والاتجاهات المدنية والديمقراطية، والتعددية المجتمعية والفكرية والثقافية.
وتحدث الرفيق عن الحاجة الى وجود حاجة مهمة لوجود اطار يجمع الحركات والأحزاب والتشكيلات المجتمعية المختلفة، خصوصاً بعد التغيير الذي شهده العراق في 2003، وان التيار الديمقراطي يحاول ذلك من خلال مجموعة من المفاهيم والرؤى المتعلقة بالمجتمع وتنظيمه والحقوق والحريات.
وبيّن الرفيق فهمي في حديث مع "طريق الشعب"، أهمية وجود أشكال مرنة من التنظيم، ومن هنا جاءت فكرة تأسيس التيار الديمقراطي، مؤكداً أن التيار لا يدّعي قدرته على أن يشمل أو يغطي جميع القوى والتيارات ذات التوجه الوطني والمدني والديمقراطي ضمن إطاره، لكنه يسعى فعلياً، من خلال استقطاب وضم وإشراك طيف واسع من الأحزاب والشخصيات والقوى المتنوعة، إلى أن يكون مظلة تجمع هذه الأطراف وتتيح لها الالتقاء على مجموعة من المبادئ والأهداف التي تصب في الرؤية المدنية والديمقراطية والوطنية للمجتمع والنظام السياسي.
مهمات المرحلة الراهنة
وفي ما يتعلق بمهام التيار في المرحلة الراهنة، قال فهمي إن الأحداث التي يشهدها البلد والتحديات التي تواجهه تفرض تعزيز وحدة عمل الطيف المتنوع من القوى والشخصيات والفئات المجتمعية التي تتطلع إلى عراق ديمقراطي مدني، تحكمه دولة الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية.
وأضاف أن هذه المهمة لا تقتصر على التيار وحده، بل تشترك فيها معه قوى سياسية واجتماعية عديدة، مبيناً أن التيار يتحرك تحت هذه العناوين الرئيسية، مع ما تتضمنه من تفاصيل، مع احترام خصوصية الأحزاب التي يمكن أن تجتمع وتلتقي في إطاره.
وشدد على أن التيار ليس بديلاً عن الأشكال الحزبية القائمة، وإنما يمثل شكلاً من أشكال التحالف، وصيغة تحالفية تضم أحزاباً وشخصيات متنوعة.
وفي السياق السياسي، أشار إلى أن التيار يتبنى رؤية سياسية مناهضة للمحاصصة، باعتبارها من العوامل المسؤولة عن مآسي البلد وأزماته وفشل الدولة والإدارة، لافتاً إلى أن العراق يعيش النتائج الوخيمة لهذا النهج في ظل أزمة سياسية واقتصادية ومالية، وأزمة في العلاقات، فضلاً عن انتهاك السيادة العراقية.
المؤتمر الخامس
وبشأن المؤتمر الخامس ومخرجاته المتوقعة، قال فهمي إن المؤتمر ينعقد في مرحلة حساسة سياسياً واقتصادياً، مضيفاً أن المؤتمر يُفترض أن يبني على ما تحقق من تقدم في استقطاب الفئات والشخصيات إلى صفوف التيار. لكنه أشار إلى أن هناك مهام لا تزال بحاجة إلى التطوير، ولا سيما ما يتعلق بطبيعة علاقة التيار بالمجتمع.
وأوضح أن من الملاحظات المطروحة غلبة الطابع النخبوي على عمل التيار، الأمر الذي يستدعي تطوير علاقته بالحراكات المجتمعية على المستوى الجماهيري، وتعزيز ارتباط رؤيته السياسية ونهجه السياسي بالواقع المجتمعي.
وتابع أن هناك حاجة أيضاً إلى تطوير أشكال العمل التنظيمي، وإيجاد صيغ أكثر مرونة للتنظيم والخطاب السياسي، مبيناً أن من المهام التي ينبغي أن تحظى بالأولوية توسيع حضور الشباب والنساء والفئات المجتمعية المختلفة.
ومن جانب آخر، لفت فهمي إلى أن هناك عدداً من القوى السياسية الموجودة في بنية التيار، لكن بالإمكان توسيع هذه التركيبة والتواصل مع طيف آخر من القوى السياسية التي تلتقي معه في المشتركات ذاتها.
وبيّن أن توسيع هذه التركيبة من شأنه أن يعزز طبيعة التيار وصيغته التحالفية، التي لا تقتصر على البعد السياسي، بل تشمل أيضاً البعد الاجتماعي، من خلال إشراك فئات مجتمعية من مختلف أقسام المجتمع التي تلتقي على المبادئ الوطنية والمدنية والديمقراطية.
تحضيرات المؤتمر
من جهة اخرى، قال المنسق العام للتيار الديمقراطي، أثير الدباس، إن المؤتمر العام للتيار، المقرر عقده يوم غد الجمعة، ينعقد تحت شعار "وحدة القوى والشخصيات الديمقراطية طريق إلى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية"، معرباً عن أمله في أن يحقق النجاح المنشود.
وأضاف لـ"طريق الشعب"، أن التيار نشر، قبل شهر، وثائق المؤتمر، المتمثلة بالتقرير السياسي والتقرير الإنجازي، فضلاً عن نشر تعديلات بسيطة على النظام الداخلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، موضحاً أن المؤتمر سيشهد حضور 14 تنسيقية، بنحو 126 مندوباً جرى انتخابهم من قبل التنسيقيات.
وأشار إلى أن بعض التنسيقيات شهدت ترتيبات تنظيمية، مؤكدا أن المؤتمر الحالي يتميز بخصوصية تتمثل في انضمام أعداد من الشخصيات الديمقراطية والاجتماعية والسياسية والنخبوية إلى التيار الديمقراطي، فضلاً عن وجود عدد جيد من النساء والشباب ضمن المشاركين في المؤتمر.
تقديم بديل مدني
وفي ما يتعلق بالظروف السياسية التي ينعقد فيها المؤتمر، قال الدباس إن العراق يمر بمرحلة سياسية حساسة، بالتزامن مع ظروف إقليمية دقيقة، الأمر الذي يفرض على التيار اتخاذ مواقف واضحة إزاء التحديات الراهنة.
وأضاف أن التيار أكد، ضمن التقرير السياسي للمؤتمر، أهمية ألّا يكون العراق ساحة لحروب الآخرين أو منطلقاً للاعتداءات على الدول الأخرى، مشدداً على رفض جميع الاعتداءات التي تستهدف الأراضي العراقية من مختلف الأطراف.
وأكد ضرورة أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة العراقية، مع حصر السلاح بيدها، مشيراً إلى أن مكافحة الفساد لا تقل أهمية عن حصر السلاح، لما تمثله القضيتان من أهمية في بناء الدولة وتعزيز قدرتها على أداء مسؤولياتها.
وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي، أوضح الدباس أن التيار يولي أهمية لتوفير فرص العمل للشباب، ورعاية المتقاعدين والفئات الهشة، وضمان حقوق العمال والفلاحين وسائر الفئات المجتمعية، ولا سيما في ظل الارتفاع الأخير في سعر الدولار وما يترتب عليه من تداعيات على المواطنين والأسواق.
وفي السياق ذاته، أشار الدباس إلى أن تنويع مصادر الدخل ومنافذ تصدير النفط يمثلان من الموضوعات المهمة التي يتناولها برنامج التيار، مبيناً أن العراق يعتمد منذ سنوات طويلة على تصدير النفط عبر مضيق هرمز، في وقت عارض فيه عدد من أعضاء مجلس النواب، خلال فترة سابقة، تصدير النفط عبر منافذ أخرى.
وأضاف أن التيار أكد أهمية معالجة أوضاع المتقاعدين والموظفين والعمال والفئات الهشة، في أعقاب ارتفاع سعر الدولار، بما يضمن حماية حقوق هذه الفئات والحد من التداعيات الاقتصادية التي تتحملها.
وفي ما يتعلق بتشكيل الحكومة، أعرب الدباس عن اعتراضه على الأسماء الأولية المطروحة لنواب رئيس الوزراء، معتبراً أن ذلك يعيد البلاد إلى النهج ذاته القائم على المحاصصة والفساد.
مخرجات المؤتمر
وبشأن ما ينتظر المؤتمر من مخرجات، قال الدباس إن المهمة الأكبر للتيار تبدأ بعد انتهاء أعماله، وتتمثل في كيفية تطبيق القرارات التي ستصدر عنه خلال الدورة المقبلة للتيار الديمقراطي العراقي.
وأضاف أن المطلوب هو تحويل مخرجات المؤتمر إلى خطوات عملية تتضمن معالجات للقضايا المطروحة، وتطوير دور التيار في التواصل مع المواطنين، ليكون جسراً بينهم وبين القوى السياسية ومؤسسات الدولة، وأن يلامس مشكلاتهم وينقل نبض الشارع.
وفي هذا الإطار، أشار إلى إمكانية طرح برنامج يتضمن مطالب التيار ومعالجاته على الحكومة، بما يسهم في إيصال رؤيته بشأن القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشغل المواطنين.
وفي حديثه عن تطور التيار الديمقراطي واتساع حضوره في المحافظات، قال الدباس إن نسبة المستقلين ضمن صفوفه تبلغ حالياً 85 بالمئة، وهي نسبة تختلف جذرياً عن النسب السابقة، مبيناً أن التيار يضم أكاديميين ومثقفين ونساء وشباباً غير منتمين إلى الأحزاب السياسية.
وأضاف أن التنسيقيات التابعة للتيار تمتد من البصرة إلى أربيل، وأن علاقاته توسعت مع مختلف الأحزاب خلال الدورة الحالية، لافتاً إلى أن التيار عقد مؤتمراً في أربيل، وأجرى خلال جولته هناك لقاءات مع الأحزاب الكردية.
مظلة جامعة للديمقراطيين
وفي ما يتعلق برؤية التيار للقوى المدنية والديمقراطية وإمكانية جمعها ضمن إطار سياسي واسع، أوضح الدباس أن رؤية التيار تقوم على أن يكون مظلة لمختلف القوى الديمقراطية المؤمنة بالدولة المدنية الديمقراطية.
وأشار إلى أن التيار أجرى اتصالات مع العديد من الأحزاب خلال الفترة الماضية، لكنه لم يتمكن من تخصيص الوقت الكافي للعمل على هذا الملف بصورة أوسع، بسبب قصر مدة الدورة الحالية، التي استمرت سنتين وتخللتها انتخابات.
وأضاف أن التيار اقترح، ضمن تعديلات النظام الداخلي المنشورة، أن تكون مدة الدورة المقبلة أربع سنوات، بما يتيح له وقتاً أوسع لتطوير اتصالاته بالأحزاب والقوى الديمقراطية وتوسيع علاقاته معها.
وأكد الدباس أن الرؤية تتمثل في أن يصبح التيار المظلة الجامعة للقوى التي تتبنى مشروعاً مدنياً ديمقراطياً، وتلتقي على هدف التغيير السياسي وتقديم بديل حقيقي عن نظام المحاصصة والفساد.