حين تعلن الدولة عن توزيع مليون قطعة أرض، فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيحصل عليها؟ بل: من هو الأحق بها؟
العراق بلدٌ يعيش فيه ملايين المواطنين تحت ضغط الفقر وارتفاع كلفة السكن، فيما تشير المعطيات التي يستند إليها هذا الطرح إلى أن نحو 25 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر. وفي مثل هذه الظروف، لا يجوز أن تتحول الأرض العامة إلى امتياز جديد لأصحاب النفوذ أو إلى مورد إضافي لمن يمتلك أصلاً دخلاً أو سكناً أو عقاراً. إذا كانت الدولة قد قررت توزيع مليون قطعة أرض، فإن عليها أن تجيب بوضوح أمام المجتمع: هل هذه الأراضي مشروع للعدالة الاجتماعية، أم مجرد عملية توزيع إداري؟ فالفرق كبير بين الاثنين.
إن الأرض السكنية التي تمنحها الدولة ليست سلعة عادية؛ إنها جزء من سياسة الإسكان والحماية الاجتماعية، ولذلك يجب أن تذهب أولاً إلى المواطن الذي لا يستطيع الحصول على السكن بوسائله الخاصة.
وهنا يصبح المبدأ بسيطاً: الإسكان أولاً للأشد فقراً، ثم لمن هم دون خط الفقر، ثم للفئات الأخرى المستحقة وفق معايير معلنة وشفافة.
الأمم المتحدة لا تتحدث عن «قطعة أرض» فقط
الحق في السكن الملائم معترف به في القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتؤكد الأمم المتحدة أن السكن الملائم يجب أن يوفر الأمن والحماية والخصوصية والمكان المناسب والخدمات الأساسية، وأن يكون ميسور الكلفة ومتاحاً للفئات المحرومة والمهمشة.
كما تؤكد UN-Habitat أن الحق في السكن الملائم يشمل أمن الحيازة، وعدم التمييز، والمشاركة في القرارات المتعلقة بالسكن، والحماية من الإخلاء القسري. (UN-Habitat)
وهذا يعني أن سياسة توزيع الأراضي لا ينبغي أن تبدأ من سؤال: من يستطيع الحصول على الأرض؟ وإنما من سؤال آخر أكثر عدالة: من هو المواطن الذي لا يستطيع أن يحصل على السكن إلا من خلال تدخل الدولة؟ هذا هو جوهر السياسة الاجتماعية للإسكان.
معيار الفقر يجب أن يتقدم على معيار القوة
المشكلة ليست في أن تمنح الدولة الأرض، بل في منهج توزيعها.
فإذا كان هناك مواطن لا يملك دخلاً ولا مسكناً، وأرملة تعيل أطفالاً، وأسرة أيتام، ورب أسرة عاجز عن العمل، وأسرة تضم أطفالاً وكباراً في السن ومرضى، فإن وضعهم في طابور واحد مع موظف ميسور أو مالك عقار آخر ثم إجراء القرعة بينهم جميعاً لا يمثل بالضرورة عدالة اجتماعية. العدالة تعني أن يحصل الأكثر احتياجاً على أولوية أعلى.
ولهذا فإن نظام النقاط الوارد في الدراسة المرفقة يقدم أساساً يمكن تحويله إلى نظام وطني شفاف؛ إذ يعطي أوزاناً للأيتام، والأسر التي تعيلها النساء، والعجز عن العمل، والأطفال، وكبار السن، والحالات المرضية، ثم يضيف معيار الدخل. وهذه ليست فكرة تفضيلية اعتباطية؛ إنها محاولة لتحويل مفهوم «المستحق» من كلمة فضفاضة قابلة للتلاعب إلى معيار قابل للقياس والتدقيق والمراجعة.
لا نريد مليون قطعة أرض نريد مليون فرصة للعيش بكرامة
الخطأ الأكبر هو التعامل مع توزيع الأراضي باعتباره إنجازاً رقمياً. مليون قطعة أرض ليست مليون إنجاز إذا ذهبت إلى غير المحتاجين.
الإنجاز الحقيقي هو أن تصل الأرض إلى الأسرة التي لا تملك سكناً، وأن ترتبط الأرض بالبنية التحتية والخدمات، وأن تكون هناك حماية من المضاربة والبيع السريع، وأن يتحول البرنامج من توزيع قطع جغرافية إلى سياسة إسكان اجتماعي متكاملة.
فالأمم المتحدة تؤكد أن السكن الملائم لا يتحقق بالأرض أو المبنى وحدهما؛ بل يرتبط بتوفير المياه والصرف الصحي والطاقة والخدمات والبنية التحتية والأمن القانوني للحيازة. (UN-Habitat)
لذلك لا يجوز للدولة أن تقول للفقر: «هذه قطعة أرض»، ثم تترك الأسرة أمام كلفة البناء والخدمات والطرق والماء والكهرباء. السكن حق، وليس مجرد قطعة أرض.
من يستحق أولاً؟
انطلاقا من المعايير الواردة في الملف، يمكن اعتماد سلم أولوية وطني واضح:
أولاً: الأشد فقراً والمعدمون الذين لا يملكون دخلاً أو سكناً.
ثانياً: الأسر الواقعة تحت خط الفقر، مع إعطاء الأفضلية للأسر ذات الأعباء الاجتماعية الأكبر.
ثالثاً: أسر الأيتام والأسر التي تعيلها النساء.
رابعاً: الأسر التي لديها أفراد عاجزون عن العمل أو أطفال أو مسنون أو مرضى.
خامساً: بقية الفئات المستحقة وفق مستوى الدخل والحاجة الفعلية وعدم امتلاك مسكن مناسب.
أما من يملك مسكناً مناسباً أو أرضاً سكنية أو قدرة مالية كافية للحصول على السكن، فلا ينبغي أن ينافس المعدم على المورد العام المخصص لمعالجة أزمة السكن.
لا للتوزيع السياسي نعم للتوزيع بالنقاط
العراق لا يحتاج إلى لجان جديدة تستطيع تفسير كلمة «المستحق» كما تشاء.
العراق يحتاج إلى نظام وطني معلن للنقاط.
كل مواطن يعرف مسبقاً كم نقطة يستحق.
كل أسرة تعرف لماذا تقدمت أو تأخرت.
وكل جهة رقابية تستطيع مراجعة القرار.
وكل مواطن يستطيع الاعتراض.
بهذا فقط يمكن إغلاق الباب أمام المحاباة والواسطة والتدخل السياسي.
والملف نفسه يشدد على ضرورة تحديد معايير وطنية لتوزيع الأرض السكنية والدور المدعمة من الدولة، بما يسهل وصول السكن إلى الفئات المهمشة والأشد فقراً.
نطالب الدولة بخمسة قرارات واضحة
أولاً: إعلان معيار وطني موحد لتوزيع الأراضي، وعدم ترك مفهوم «المستحق» للتفسير الشخصي.
ثانياً: جعل الفقر والحاجة السكنية أساس الأولوية، قبل المعايير الثانوية.
ثالثاً: نشر قوائم المستفيدين ودرجاتهم وآلية احتساب النقاط، مع فتح باب الاعتراض والتدقيق.
رابعاً: ربط توزيع الأرض بالخدمات والبنية التحتية، لأن الأرض غير المخدومة ليست سياسة إسكان متكاملة.
خامساً: إنشاء آلية مستقلة لمتابعة حق السكن، وتلقي الشكاوى المتعلقة بالإخلاء والملكية والحصول على الخدمات، وهو اتجاه ينسجم مع ما تؤكده UN-Habitat بشأن ضرورة حماية الحق في السكن ومتابعته قانونياً ومؤسسياً. (UN-Habitat)
وأين الجيش والموظفون وبقية الفئات؟
ليست القضية حرمان أي فئة من حقوقها القانونية.
إذا قررت الدولة تخصيص حصص لفئات محددة بموجب قوانين نافذة، فيجب احترام تلك الحقوق ضمن الحصة التي يحددها القانون. لكن لا ينبغي استخدام تلك الاستحقاقات ذريعة لإزاحة الفئات الأشد فقراً من برامج الإسكان الاجتماعي المخصصة لمعالجة الفقر.
هناك فرق بين حق قانوني خاص لفئة معينة وبين برنامج اجتماعي لمكافحة الفقر والسكن غير الملائم. والخلط بينهما هو الذي يصنع النزاع.
الرسالة إلى الحكومة يا حكومة العراق:
إذا كان هدفكم من توزيع مليون قطعة أرض هو معالجة أزمة السكن، فابدؤوا بمن لا يملك شيئاً.
ابدؤوا بالمعدمين ثم بالأسر تحت خط الفقر ثم بالأرامل والأيتام ثم بالعاجزين عن العمل ثم بالأسر الكبيرة والأطفال والمسنين والمرضى.
واجعلوا كل ذلك وفق نقاط معلنة لا يستطيع موظف ولا مسؤول ولا حزب أن يغيرها.
فالدولة التي تملك الأرض تملك القدرة على أن تجعلها أداة للعدالة الاجتماعية.
أما إذا وزعت الأرض لمن يملك القدرة والنفوذ، فإنها لن تحل أزمة السكن؛ بل ستعيد إنتاج عدم المساواة.
الأرض العامة ملك للمجتمع، ولذلك يجب أن يكون الفقراء أول المستفيدين منها عندما تُخصص لمواجهة أزمة السكن.
وهذه ليست منحة. إنها سياسة عدالة اجتماعية، وحق في السكن، ومسؤولية على الدولة أن تؤديها بشفافية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
UN-Habitat — الحق في السكن الملائم
UN-Habitat — Housing Rights
OHCHR — التعليق العام رقم 4 بشأن الحق في السكن الملائم