تكشف أزمة الدولار عن اختلالات تتجاوز السياسة النقدية إلى طبيعة إدارة الدولة، والى اقتصاد يعتمد على النفط والاستيراد، ونظام إنفاق لم ينجح في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على حماية الاستقرار المالي والمعيشي. وبينما تدافع الحكومة عن رفع سعر الصرف بوصفه إجراءً لتأمين الالتزامات المالية، تتصاعد التساؤلات بشأن البدائل المتاحة، وأسباب تأجيل الإصلاحات البنيوية، ولماذا تتحمل الفئات محدودة الدخل جانباً من كلفة الأزمة.
ففي السابع من تشرين الأول، قرر مجلس الوزراء رفع سعر شراء وزارة المالية للدولار إلى 1500 دينار، وبيعه للمصارف بـ1510 دنانير، وللجمهور بـ1520 ديناراً، مقابل 1320 ديناراً سابقاً. ويعيد هذا القرار إلى الواجهة معضلة الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد على النفط في أكثر من 90 في المائة من إيرادات الموازنة، فيما تبقى قدرته على تنويع مصادر الدخل وتطوير الإنتاج المحلي محدودة.
وتفاقمت الضغوط المالية مع تراجع الصادرات النفطية، على خلفية إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران. ووفق المعطيات المتاحة، انخفضت الصادرات من نحو 100 مليون برميل في شباط إلى قرابة 32 مليون برميل في أيار وحزيران، فيما تراجعت الإيرادات الشهرية من 6.8 مليارات دولار إلى نحو 2.3 مليار دولار، في وقت يحتاج فيه العراق إلى قرابة 6.5 مليارات دولار شهرياً لتغطية الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية.
غير أن هذه التطورات، على خطورتها، لا تفسر وحدها عمق الأزمة. فاقتصاد يعتمد على مورد رئيسي واحد، وتتوقف صادراته على منفذ حيوي، فيما يستورد معظم احتياجاته، يظل عرضة للصدمات الخارجية، ما لم تقترن إدارة الإيرادات النفطية ببناء قطاعات إنتاجية قادرة على توفير فرص العمل وتوسيع الموارد العامة.
أزمة مالية في ظل نهج سياسي مأزوم
يرى هذا التشخيص أن الاختلالات الاقتصادية ترتبط أيضاً بطبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة، الذي يحول الوزارات والمواقع الحكومية إلى موضوع لتقاسم النفوذ، حتى في أوقات الأزمات المالية والمعيشية. ففي الوقت الذي تواجه فيه الدولة ضغوطاً على إيراداتها والتزاماتها، تستمر المساومات السياسية على المناصب والحصص، من دون أن تقترن ببرنامج متكامل لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية.
ولا تقتصر المشكلة على غياب الإجراءات العاجلة، بل تمتد إلى غياب رؤية طويلة الأمد تحدد كيفية الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، وتضع حداً للتوسع غير المنضبط في الإنفاق، وتعالج الهدر والفساد والامتيازات المالية غير المبررة. وبهذا المعنى، فإن الأزمة ليست نقدية في تعبيراتها فحسب، بل مالية وسياسية، تتصل بكيفية إدارة الموارد العامة وتوزيع أعبائها ومنافعها.
وتبرز هذه الإشكالية في مشروع موازنة عام 2027، الذي تبلغ نفقاته المقدرة نحو 217 تريليون دينار، رغم الضغوط التي تواجه الإيرادات النفطية. ويثير هذا الحجم من الإنفاق تساؤلات بشأن مدى انسجام السياسة المالية مع متطلبات الأزمة، خصوصاً في ظل استمرار الالتزامات الحكومية واتساع الحاجة إلى تمويل الرواتب والخدمات والحماية الاجتماعية.
لا معالجة متكاملة
وفي تقييمه للقرار، قال الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي لـ «طريق الشعب» إن خطاب رئيس الوزراء أمام مجلس النواب لم يقدم معالجة متكاملة لطبيعة الأزمة، مشيراً إلى أن الحكومة قدمت مسودة موازنة لعام 2027 بقيمة 217 تريليون دينار، وهي الأضخم في تاريخ العراق، رغم الأزمة المالية وتذبذب الإيرادات النفطية.
ورأى الهاشمي أن تخفيض قيمة الدينار لن يحقق الغرض المطلوب ما لم يقترن بحزمة أوسع من الإجراءات، تشمل ضبط الموازنة وترشيد الإنفاق والحد من الهدر المالي والترهل الوظيفي ومواصلة مكافحة الفساد.
وحذر من أن الجمع بين تغيير سعر الصرف والتوسع في الإنفاق قد يحمل المواطنين العبء الأكبر، فيما تبقى الفائدة المالية محدودة وقصيرة الأمد، مقارنة بآثار تراجع القدرة الشرائية التي قد تستمر مدة أطول.
ويضع هذا التقييم الحكومة أمام سؤال جوهري: هل يمثل تغيير سعر الصرف جزءاً من إصلاح مالي متكامل، أم أنه معالجة لإيرادات الدولة من دون معالجة متناسبة لأوجه الإنفاق؟ فزيادة الإيرادات الدينارية لا تعني بالضرورة تجاوز العجز البنيوي إذا استمرت النفقات في التوسع من دون مراجعة أولوياتها وكفاءتها.
مسؤولية من؟
من جانبه، انتقد الباحث في الشأن الاقتصادي عبد السلام حسين توجه الحكومة إلى تحميل المواطنين أعباء المعالجات المالية، مؤكداً أن المواطن ليس مسؤولاً عن السياسات التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة. وأوضح أن ارتفاع تكاليف الاستيراد يمكن أن ينعكس على أسعار السلع ويقلص القدرة الشرائية، ولا سيما لدى ذوي الدخل المحدود والفئات التي تعتمد على الرواتب والإعانات الاجتماعية.
ودعا حسين إلى معالجة الاختلالات في السياسة المالية والنقدية بدلاً من نقل آثارها إلى المستهلك، مشدداً على ضرورة مراقبة الأسواق ومنع استغلال تغيرات سعر الصرف لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها.
وفي ملف الإنفاق العام، طالب بمراجعة رواتب المسؤولين ومخصصاتهم وامتيازاتهم المالية، ووضع ضوابط أكثر عدالة وشفافية لتوزيع الموارد، إلى جانب تعزيز الإنفاق على الخدمات العامة وفرص العمل والحماية الاجتماعية.
واعتبر أن الإصلاح المالي يرتبط بإصلاح سياسي ومؤسسي يحد من الامتيازات والاستثناءات، ويضع حاجات المجتمع في صلب الأولويات.
إصلاح البيئة الاقتصادية
من جانبه، عدّ الخبير الاقتصادي معن عبود الحوزي أن رفض تغيير سعر الصرف لا يرتبط بالضرورة بغياب المبررات الاقتصادية لهذا الإجراء، بقدر ما يتعلق بعدم تهيئة الظروف المؤسسية والإصلاحات اللازمة لضمان نجاحه، مشيراً إلى أن خفض قيمة العملة المحلية قد يسهم نظرياً في تقليل الاستيراد وتحفيز الإنتاج المحلي وتنويع الاقتصاد وزيادة الصادرات، لكن تحقيق هذه النتائج يتطلب إجراءات أوسع.
وقال الحوزي إن تنويع الاقتصاد لا يتحقق بمجرد تغيير سعر الصرف، بل يستلزم إصلاح البيئة الاقتصادية وتعزيز مؤشرات الحكم الرشيد، ومكافحة الفساد، وترسيخ المساءلة والشفافية، قبل الإقدام على مثل هذه الخطوات.
وتساءل عن مدى جدية الدولة في محاسبة الفاسدين ومساءلة الحكومات السابقة التي بددت إيرادات البلاد وأهدرت مواردها، مؤكداً أن هناك عشرات الأسئلة الجوهرية التي كان ينبغي الإجابة عنها قبل اتخاذ قرار تغيير سعر الصرف.
وأشار إلى أن استمرار وجود سعرين للصرف في العراق يمثل إشكالية أخرى تستدعي المعالجة، متسائلاً عن أسباب عجز الدولة عن إحكام سيطرتها على سوق بيع الدولار، والحد من الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي.
وانتقد الحوزي اعتماد السلطات على إجراءات أمنية تقليدية في التعامل مع سوق الدولار، بدلاً من تطوير أدوات اقتصادية ورقمية حديثة تتيح تنظيم السوق وتعزيز الشفافية والرقابة، موضحاً أن غياب العملة الإلكترونية المستقرة والتكنولوجيا المتطورة والآليات الحكومية الشفافة يحدّ من قدرة الدولة على إدارة هذا الملف بكفاءة.
ورأى أن وزارة المالية، بالتعاون مع البنك المركزي، ارتكبت خطأً مركباً قد يكون تصحيحه صعباً، محذراً من تداعيات القرار في ظل عدم استكمال متطلبات الإصلاح الاقتصادي.
من يتحمل كلفة الأزمة؟
وتتضح الأبعاد الاجتماعية للقرار عند النظر إلى موقع الرواتب والدخول المحدودة في الاقتصاد العراقي. فالعاملون بأجر والمتقاعدون والمستفيدون من الإعانات لا يمتلكون عادةً أدوات تحوط تحمي دخولهم من ارتفاع أسعار السلع المستوردة. ولذلك، فإن أي زيادة في كلفة الاستيراد قد تضعف قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية، إذا انتقلت إلى السوق ولم تقابلها إجراءات حماية فعالة.
وفي المقابل، فإن الحديث عن توفير ظروف أفضل للصناعة الوطنية عبر رفع سعر الدولار لا يكفي، ما لم يترافق مع سياسة إنتاجية واضحة. فالتنافسية الصناعية لا تنشأ تلقائياً من ارتفاع أسعار المستوردات، بل تحتاج إلى تمويل، وطاقة مستقرة، وبنية تحتية، وحماية مدروسة للمنتج المحلي، وخطط لتطوير الصناعات التي يمتلك العراق إمكانات حقيقية للنهوض بها.
الاحتجاجات القطاعية وأسئلة التغيير
ولا تنفصل هذه التحديات عن الضغوط الاجتماعية المتنامية، في ظل البطالة ومطالب الخريجين وتأخر بعض المستحقات وتراجع القدرة الشرائية. وتظهر المطالب القطاعية للفلاحين والمقاولين والعاملين في قطاعات مختلفة أن آثار الاختلالات المالية تتوزع على شرائح متعددة، لكنها تلتقي عند سؤال أوسع يتعلق بأولويات الدولة وطريقة إدارتها للموارد.
ويطرح ذلك تحدياً يتجاوز الاستجابة لكل مطلب بصورة منفردة، نحو بناء رؤية تربط المطالب القطاعية بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي العام. فالتنسيق بين الحركات المطلبية، وتطوير برامج واضحة وواقعية، وتعزيز العمل المدني والسياسي السلمي، يمكن أن يضع القضايا اليومية ضمن نقاش أوسع بشأن الإنفاق العام والعدالة الاجتماعية وتطوير الإنتاج الوطني.
ولا يمكن تجاوز الأزمة الاقتصادية من دون تغيير القوى التي تتحكم بالموارد وتديرها وفق مصالحها ونفوذها، على حساب حاجات المجتمع وأولوياته. فهذه الأزمة هي نتاج نهج اقتصادي وسياسي عمّق التبعية للنفط، وأضعف القطاعات الإنتاجية، وأخضع توزيع الثروة لمنطق المحاصصة والامتيازات. لذلك، فإن الإصلاحات الجزئية لن تكون كافية ما دامت القوى المستفيدة من هذا النهج هي نفسها المتحكمة في مساره.
إن تجاوز الأزمة يتطلب تغييراً في موازين القوى السياسية والاجتماعية، يتيح انتزاع القرار الاقتصادي من دائرة المصالح الخاصة المتنفذة وتوجيه الموارد نحو الإنتاج والعمل والخدمات والعدالة الاجتماعية. وهذا يستدعي تنظيم الفئات المتضررة وتوحيد مطالبها ضمن مشروع بديل، قادر على تحويل التذمر والاحتجاجات المتفرقة إلى قوة اجتماعية وسياسية تدفع باتجاه تغيير المنظومة ونهجها، وبناء دولة تضع ثروة البلاد في خدمة الناس، لا في خدمة مصالح القوى الحاكمة.