اخر الاخبار

بغداد – طريق الشعب

يتراجع العراق بيئيا وسط تراكم مشكلات التلوث وتدهور النظم البيئية وضعف إدارة النفايات، في وقت تنعكس فيه هذه الأزمات بصورة مباشرة على حياة السكان وصحتهم. وبين مؤشرات دولية ترصد هذا التراجع وواقع يومي تزداد فيه النفايات وتتراجع كفاءة الخدمات، تبدو الحاجة ملحّة إلى معالجة بيئية تتجاوز الحلول المؤقتة.

ويكشف الواقع الميداني أن التراجع البيئي لا يرتبط بعامل واحد، إذ تتداخل معه محدودية الامكانات وضعف الادارة والتخطيط الى جانب نقص الكوادر والاليات، في وقت تتوسع فيه المدن وتزداد كميات النفايات، لتبقى المعالجة غالباً دون مستوى المشكلة.

العراق في ذيل مؤشر الأداء البيئي

وحل العراق في مرتبة متأخرة عالميا وعربيا ضمن نتائج مؤشر الأداء البيئي لعام 2026، وفق تصنيف نشره موقع «World Population Review»، استناداً إلى بيانات مؤشر الأداء البيئي الذي يقيس مستوى أداء الدول في مجموعة واسعة من المؤشرات المرتبطة بالبيئة والصحة العامة.

ويعتمد المؤشر على عشرات المعايير موزعة على 11 فئة، من بينها جودة الهواء، ومياه الشرب والصرف الصحي، وإدارة النفايات، والتنوع البيولوجي، والزراعة ومصايد الأسماك، وإزالة الغابات، فضلاً عن مؤشرات تتعلق بتغير المناخ.

وبحسب البيانات، سجل العراق 26.6 نقطة في المؤشر، ليأتي ضمن المراتب المتأخرة في التصنيف، في ظل تحديات بيئية متراكمة تشمل تلوث الهواء والمياه، وضعف إدارة النفايات، وتدهور النظم البيئية.

وفي المقابل، تصدرت إستونيا قائمة الدول الأفضل أداءً بيئياً بحصولها على 74.8 نقطة، تلتها لوكسمبورغ بـ74.2 نقطة، فيما عكست النتائج تفاوتاً كبيراً بين الدول في مستوى الاستجابة للتحديات البيئية وتحسين جودة البيئة.

تلوث الهواء المشكلة الأكثر إلحاحا

يقول د. سيف مسلم الكرعاوي، الباحث في القطاع البيئي، ان تراجع العراق في مؤشر الأداء البيئي لا يرتبط بمشكلة بيئية واحدة، بل بمجموعة من المؤشرات التي سجل فيها البلد مراتب متأخرة عالميا.

ويضيف لـ"طريق الشعب"، أن العراق حصل على 26.6 نقطة وحل في المرتبة 166 عالمياً من أصل 177 دولة، مشيرا إلى أن بعض المؤشرات الفرعية تكشف عن تراجع أكبر من الترتيب العام، موضحاً أن العراق جاء في المرتبة 169 عالمياً في الأثر الصحي المرتبط بالتعرض للجسيمات الدقيقة PM2.5، والمرتبة 165 في تلوث الهواء، فيما حلّ في المرتبة 162 في التخفيف من تغير المناخ، والمرتبة 162 في التنوع الأحيائي والموائل فضلا عن المرتبة 170 في حماية النظم البيئية البرية.

ويبين أن تلوث الهواء يمثل المشكلة الأكثر إلحاحا من زاوية تأثيره المباشر في حياة السكان وصحتهم لان القضية لا تتعلق بمؤشر بيئي مجرد، وإنما بتعرض يرتبط بصورة مباشرة بالعبء الصحي، في وقت تكشف فيه النتائج المتعلقة بالتنوع الأحيائي وحماية النظم البرية عن مشكلة أخرى أكثر ارتباطاً بالمستقبل وقدرة العراق على صون موارده وأنظمته البيئية.

ويؤكد الكرعاوي ان التصنيف يعكس جانبا مهما من واقع الضغط البيئي في العراق، لكنه لا يمثل قياسا شاملا لكل أشكال التدهور البيئي، موضحا أن "مؤشر الأداء البيئي EPI يعتمد على 47 مؤشرا فرعيا ضمن 12 فئة تشمل الصحة البيئية، وحيوية النظم البيئية وتغير المناخ".

ويلفت الى ان مستوى التراجع يختلف من ملف بيئي إلى اخر؛ إذ يمثل تلوث الهواء نقطة ضعف واضحة لجانب التنوع الأحيائي وحماية النظم البرية. وفي المقابل، سجل العراق 53.68 نقطة في مؤشر المياه والصرف الصحي، وحلّ في المرتبة 91 عالميا. فيما حصل في معالجة مياه الصرف على 41.81 نقطة وجاء في المرتبة 75، أما في إدارة النفايات فسجل 58.72 نقطة وحل في المرتبة 94 عالمياً.

ويتابع أن هذه النتائج تعكس وجود قصور في ملفات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات، لكنها لا تقع جميعاً في المستوى نفسه من التراجع الذي يظهر في مؤشرات تلوث الهواء أو التنوع الأحيائي.

وفي ما يتعلق بتراجع المساحات الخضراء، يتحفظ الباحث على ربط هذا الملف بصورة مباشرة بنتائج المؤشر، موضحا أن مؤشر EPI لا يقيس المساحات الخضراء الحضرية في المدن العراقية بصورة مباشرة، وبالتالي لا يمكن تحميل نتائج التصنيف ما يتجاوز المؤشرات التي يقيسها فعلياً.

ويبين الكرعاوي أن تحسين موقع العراق في التصنيفات البيئية لا ينبغي أن يكون هدفا بحد ذاته، بل يجب أن يأتي نتيجة لمعالجة المشكلات التي تقف وراء تراجع المؤشرات، وفي مقدمتها خفض ملوثات الهواء، وتحسين معالجة مياه الصرف، وتوسيع الحماية الفعلية للنظم البيئية والتنوع الأحيائي، إلى جانب التعامل بجدية أكبر مع الانبعاثات المرتبطة بتغير المناخ.

ويذكر أن العراق جاء في المرتبة 169 عالميا في اتجاه انبعاثات أكاسيد النيتروجين، والمرتبة 175 في الكربون الأسود، والمرتبة 162 في سياسة التخفيف من تغير المناخ، فيما سجل 4.88 نقاط فقط في حماية النظم البرية، وهي من بين أضعف نتائجه في التقرير.

ويؤكد أن تحديد أسباب التراجع بين ضعف التشريعات أو عدم تطبيقها أو نقص التمويل يحتاج إلى قراءة أوسع من نتائج المؤشر، كونه لا يقيس هذه الأسباب بصورة مباشرة، إلا أن اتساع الفجوة في أكثر من قطاع يشير، بحسب رأيه، إلى أن المشكلة تتجاوز وجود التشريعات لتصل إلى قدرة المؤسسات على تحويل السياسات إلى نتائج قابلة للقياس، عبر التنفيذ والرقابة والتمويل المستمر وتوفير البيانات البيئية الدقيقة.

ويخلص إلى أن العراق بحاجة إلى سياسة بيئية تقاس بنتائجها الفعلية على الأرض، وليس بعدد الخطط والتشريعات التي تصدر.

ولا تقتصر تداعيات ضعف الإدارة البيئية على المؤشرات المسجلة في التقارير، بل تنعكس بصورة مباشرة على واقع المدن والخدمات المقدمة للسكان، ولا سيما في ملف النفايات الذي يمثل أحد التحديات اليومية للبلديات مع تزايد كميات المخلفات واتساع المدن والأحياء السكنية في مختلف محافظات العراق، حتى في المناطق التي كانت توصف بانها ضمن المدن "الراقية".

نقص في الكوادر الخدمية والآليات

فيما يقول مدير بلدية الديوانية مصطفى المياحي، ان مشكلة تراكم النفايات في المحافظة ترتبط بصورة اساسية بنقص الكوادر الخدمية والآليات، مبيناً أن التعيينات الأخيرة لأكثر من خمسة آلاف موظف بعقود لم تعالج النقص بشكل جذري.

ويضيف المياحي لـ"طريق الشعب"، أن جزءا من العاملين الذين كانوا يؤدون مهام خدمية في الشوارع تغيرت صفاتهم الوظيفية بعد حصولهم على شهادات دراسية وإضافتها إلى ملفاتهم، الأمر الذي أدى إلى انتقالهم من العمل كعمال خدمة إلى وظائف إدارية، وبالتالي فقدان البلدية جزءا من قوتها العاملة الميدانية.

ويوضح ان البلدية تواجه، لجانب نقص الكوادر، مشكلة أخرى تتمثل في عدم كفاية الاليات المتاحة مقارنة بحجم الحاجة الفعلية للمحافظة، لافتاً إلى ان التوسع العمراني وإنشاء أحياء سكنية جديدة، بعضها خارج سياقات التخطيط العمراني، أسهما في زيادة الضغط على الخدمات البلدية ورفع كميات النفايات المتراكمة في الشوارع والمناطق السكنية.

ويتابع المياحي أن "المشكلتين الأساسيتين اللتين نعاني منهما هما نقص الكادر ونقص الآليات"، مؤكداً أن معالجة هذين الملفين بصورة سريعة وجذرية من شأنها أن تسهم في تقليل تراكم النفايات وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للسكان.

ورغم ذلك، يشير مدير البلدية إلى أن الإمكانات المتاحة حالياً مكّنت الفرق البلدية من السيطرة نوعاً ما على واقع النظافة في المحافظة.