تأملات ما بعد السيادة
لموقع منتدى أوراسيا الإعلامي الأوروبي، كتبت دراغانا تريفكوفيش تأملات حول انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق ومسألة السيادة الوطنية، ذكرت فيها أن التصريحات التي صدرت عن الجانبين والاحتفالات التي أُقيمت بهذه المناسبة لا تلغي أهمية عدد من الاعتبارات والتساؤلات عند تقييم تداعيات هذا التطور.
هل سيكون الانسحاب كاملاً؟
فوفقاً لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلاً عن مسؤول في البنتاغون، ذكرت الكاتبة أن عدداً من أفراد مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) سيبقون في البلاد لتوفير الأمن للبعثات الدبلوماسية الأمريكية، مما يستدعي تدقيقاً متأنياً وتحققاً مستقلاً؛ إذ يكتسب التمييز بين انسحاب القوات القتالية واستمرار وجود أفراد عسكريين في مهام تتعلق بأمن البعثات الدبلوماسية أهمية خاصة في هذا السياق.
وأضافت الكاتبة أن إحدى القضايا الجوهرية الناشئة عن هذا التطور تكمن في مدى قدرة العراق على ممارسة سيادة فعلية على مجاله الجوي، وما إذا كان بمقدوره منع الطائرات العسكرية وطائرات الاستطلاع الأمريكية والإسرائيلية من استخدام الأجواء العراقية، لا سيما في العمليات التي تستهدف دولاً مجاورة.
كما يثير هذا التطور تساؤلات حول استقلالية العراق في مجال المشتريات الدفاعية والعمليات العسكرية، سواءً فيما يتعلق بحصوله على قدرات عسكرية متطورة، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي المتكاملة، أو بقراره المستقل نشر هذه الأنظمة واستخدامها بما يتماشى مع أولويات أمنه القومي.
مستقبل التعاون الأمني
وفيما نقل المقال عن مسؤولين عراقيين تأكيدهم أن انسحاب القوات العسكرية الأمريكية لا يعني نهاية الشراكة الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن، خاصة في مجالات التدريب والأمن والاستخبارات، ذكرت الكاتبة أن لا أحد يمكنه التنبؤ بالأنماط الجديدة التي سيتشكل بها هذا التعاون، ومدى قبول طهران وحلفائها بها، وما إذا كانت بغداد قادرة على اتخاذ قرارات فعّالة ومؤثرة في إطار هذه الشراكة، لا سيما في ما يتعلق بتحديد نطاق التعاون ومساره.
كما تطرح الكاتبة تساؤلاً حول ما إذا كانت بغداد ستكون شريكاً استراتيجياً مستقلاً، أم سيظل دورها مقتصراً في المقام الأول على تلبية المتطلبات الأمنية والاستخباراتية لواشنطن. وترى أن الإجابات عن هذه الأسئلة ستكون، في تقديرها، حاسمة في تحديد ما إذا كانت العلاقة التي تلي الانسحاب تمثل تحولاً جوهرياً في الاستقلالية الاستراتيجية للعراق، أم مجرد إعادة تشكيل للهيكل الأمني الثنائي القائم.
السيادة السياسية والاستقلال التشريعي
وتطرقت تريفكوفيش في تأملاتها إلى التحديات الجوهرية التي لا تزال عالقة دون حل رغم استعادة السيادة، وفي مقدمتها عجز الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية العراقية عن التوصل إلى توافق حول مرشحيها المفضلين للحكومة، واستجابتهم، باهتمام أو على مضض، للضغوط السياسية الأمريكية وتأثيرات الرئيس الأمريكي في عملية تشكيل الحكومة، وعدم قدرة المؤسسات الدستورية العراقية، أو عدم رغبتها، في العمل بمعزل عن الضغوط السياسية الخارجية؛ وهي قضايا تمثل مؤشراً رئيسياً على السيادة الفعلية للبلاد.
حصر السلاح
ورغم شعبية ودستورية احتكار الدولة لاستخدام القوة ومسألة حصر السلاح بيدها، فإن هذه القضية لا ينبغي، وفق الكاتبة، أن ترتبط بالضغوط الأمريكية، بل يجب معالجتها ضمن تقييم أوسع للبيئة الأمنية ووجود قوات عسكرية أجنبية أخرى في العراق، من بينها قوات تركية تُقدّر بنحو 10 آلاف عنصر، والتوصل إلى آلية وطنية للرقابة على السلاح، وتوحيد السلطة الأمنية داخل إقليم كردستان، والحد من العمليات العسكرية العابرة للحدود، وتوزيع المسؤوليات الأمنية بين بغداد وأربيل.
الانسحاب محطة مهمة
واختتمت الكاتبة تأملاتها باعتبار انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق تطوراً جوهرياً في مساعي البلاد نحو تحقيق السيادة الوطنية، لكنه غير قادر على حجب التحديات الهيكلية التي لا تزال تشكّل ملامح السياسة الداخلية والخارجية للعراق، وخاصة ما يتعلق منها بقدرته على ممارسة سلطة مستقلة على مؤسساته السياسية، وترتيباته الأمنية، وشراكاته الاستراتيجية، ومجاله الجوي، وموارده الاقتصادية، وعلى وجه الخصوص، الوصول غير المقيّد إلى عائدات النفط، والحرية في إدارة مصدر دخله القومي الرئيسي وتحديد أولويات سياسته الداخلية والخارجية.
ولهذا، ينبغي النظر إلى اكتمال الانسحاب العسكري باعتباره مرحلة واحدة ضمن عملية أوسع وأكثر تعقيداً، وهي الانتقال من الاستقلال الشكلي إلى الممارسة الفعلية للسيادة الوطنية.