تتواصل معاناة غالبية المناطق في محافظة نينوى من نقص الخدمات وتأخر المشاريع، رغم مرور سنوات على تحريرها وعودة عدد كبير من سكانها، في وقت لا تزال فيه المخصصات المالية المتأخرة تعرقل استكمال المشاريع وتؤثر في وتيرة الإعمار.
وبينما تسجل المحافظة مشاريع بمبالغ كبيرة، يشير مراقبون إلى تفاوت في توزيعها بين الموصل والأقضية والنواحي، لتبقى قرى ومناطق متضررة من الحرب بحاجة إلى طرق ومدارس ومراكز صحية وخدمات أساسية، وسط مطالبات بتوجيه الموارد وفق حجم السكان ونسب الضرر والاحتياج الفعلي.
تعقيدات إدارية وسياسية
يقول عبد الله عمر، ناشط سياسي في نينوى، إن "عدداً من المشاريع الاقتصادية والخدمية في محافظة نينوى عادت للعمل بعد سنوات من التوقف والتعثر، فيما لا تزال مشاريع أخرى متوقفة"، مبيناً أن استئناف بعض المشاريع لا يعالج جوهر أزمة الخدمات في المحافظة.
ويوضح عمر لـ"طريق الشعب"، أن "معظم هذه المشاريع ما يزال يصطدم بضعف التمويل المخصص من الحكومة الاتحادية في بغداد، إضافة إلى تعقيدات إدارية وسياسية تؤخر تنفيذها وإكمالها ضمن المدد المقررة"، مشيراً إلى أن استمرار هذه المعوقات يحد من قدرة المحافظة على إنجاز مشاريعها الخدمية والتنموية.
ولا يحصر عمر أزمة الخدمات بمدينة الموصل، بل يرى أنها تمتد إلى عدد من أقضية المحافظة ونواحيها، ولا سيما المناطق التي ما تزال تعيش تبعات الإرهاب وعمليات التحرير، لافتاً إلى أن قضاءي البعاج وسنجار يمثلان مثالاً على حجم الاحتياجات المتراكمة.
ويشير إلى أن هذه المناطق ما تزال بحاجة إلى تطوير المؤسسات الصحية والتعليمية، إلى جانب تعزيز البنى التحتية والخدمات الأساسية بما يتناسب مع أعداد السكان واحتياجاتهم، مؤكداً أن آثار الحرب لا تزال حاضرة في واقع الخدمات في عدد من مناطق نينوى.
أما في مدينة الموصل، فيرى عمر أن مرور سنوات على تحريرها من تنظيم داعش لم ينهِ التحديات المرتبطة بالبنى التحتية والخدمات، موضحاً أن "بعض المؤسسات الصحية تفتقر إلى مستلزمات أساسية"، فيما لا تزال قطاعات أخرى، بينها البنى التحتية والمنشآت الصناعية، بحاجة إلى إعادة تأهيل وتطوير يتناسبان مع متطلبات مرحلة ما بعد التحرير.
ويربط عمر جانباً من هذه الأزمات بطريقة إدارة المحافظة وآليات اتخاذ القرار فيها، معتبراً أن مجلس المحافظة، بدلاً من أن يعمل وفق رؤية تنموية شاملة لجميع مناطق نينوى، يتأثر، بحسب رأيه، بالمحاصصة والصراعات الحزبية، التي يرى أنها تمثل انعكاساً للمشهد السياسي العام في بغداد.
ويضيف أن "هذا أدى إلى تفاوت واضح في الاهتمام بين الأقضية والنواحي، واستمرار معاناة مناطق عديدة من نقص الخدمات وتأخر المشاريع"، محذراً من أن استمرار هذا النهج يضع الحكومة المحلية أمام تحديات في علاقتها بالحكومة الاتحادية، فيما يبقى المواطن في نينوى الطرف الأكثر تضرراً من الخلافات السياسية والإدارية.
ويؤكد عمر أن معالجة واقع الخدمات وإعادة الإعمار تتطلب توجيه المشاريع والموارد وفق الحاجة الفعلية للسكان وحجم الأضرار ونسب الحرمان، وليس وفق التوازنات الحزبية أو المحاصصة السياسية، بما يسهم في معالجة آثار الحرب وإعادة بناء المحافظة بصورة أكثر شمولاً.
الحكومة الاتحادية لم ترسل التخصيصات؟
ويقول عضو مجلس محافظة نينوى، محمد عارف، إن المحافظة تعاني منذ نحو ثلاث سنوات من تأخر وصول مخصصاتها المالية من الحكومة المركزية، الأمر الذي انعكس على وتيرة تنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية في مختلف مناطق المحافظة.
ويوضح عارف لـ"طريق الشعب"، أن "الميزانيات الخاصة بمحافظة نينوى لم تصل من الحكومة المركزية منذ نحو ثلاث سنوات"، مبيناً أن المشاريع الموجودة حالياً في المحافظة تقتصر إلى حد كبير على المشاريع المستمرة، فيما تأثر مستوى العمل نتيجة عدم توفر السيولة المالية الكافية.
ويضيف أن "المقاول لا يستطيع الاستمرار بالعمل إذا لم تتوفر السيولة المالية"، مشيراً إلى أن مجلس المحافظة يطالب الحكومة المركزية بمعالجة ملف المستحقات المالية للمحافظة، ولا سيما أن هذه المخصصات مدرجة ضمن قوانين الموازنة للأعوام الماضية.
ويدعو عارف أعضاء مجلس النواب عن نينوى إلى ممارسة دورهم في الضغط باتجاه وزارة المالية من أجل إطلاق المستحقات المالية للمحافظة، مؤكداً الحاجة أيضاً إلى تحرك أعضاء مجلس الوزراء من أبناء نينوى، للحديث مع رئيس الوزراء بشأن هذا الملف.
ويتابع أن "هناك حاجة إلى وقفة من سفراء نينوى في مجلس الوزراء، للتحدث مع رئيس الوزراء بهذا الموضوع، حتى نتمكن من تغطية أغلب مشاريع نينوى"، لافتاً إلى أن الأموال المتوفرة حالياً هي من موارد المحافظة الخاصة، بينها الإيرادات النفطية والمنافذ الحدودية.
ويشير عارف إلى أن المحافظة تعمل في الوقت نفسه على تعظيم مواردها المحلية، بهدف المساهمة في تغطية العجز المالي، مؤكداً أن زيادة الإيرادات المحلية تمثل أحد المسارات التي يمكن من خلالها التخفيف من آثار نقص السيولة على المشاريع في المحافظة.
الخدمات بين ناس وناس
ويبين المراقب المحلي من نينوى، حارث الطائي، أن الواقع الخدمي في ناحية بعشيقة والقرى التابعة لها ما يزال دون مستوى احتياجات السكان، مبيناً أن أكثر من 50 قرية تعاني نقصاً في الخدمات الأساسية، ولا سيما مشاريع التبليط والمباني المدرسية والمراكز الصحية.
ويوضح حارث لـ"طريق الشعب"، أن "المشكلة لا تتعلق بغياب المشاريع بشكل كامل، بل بطريقة توزيعها بين الوحدات الإدارية، إذ إن مناطق واسعة ما تزال تنتظر مشاريع خدمية أساسية تمس الحياة اليومية للسكان"، مشيراً إلى أن تداعيات الحرب وما رافقها من دمار ونزوح تركت احتياجات كبيرة في البنى التحتية، لم تتمكن عمليات الإعمار من معالجتها بصورة متوازنة.
ويضيف أن "الطرق في عدد من القرى تحتاج إلى التأهيل والتبليط، كما أن هناك حاجة إلى المدارس والمراكز الصحية، خصوصاً مع ارتفاع عدد السكان وتباعد القرى"، لافتاً إلى أن ضعف الخدمات ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الأهالي على الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والتنقل بصورة منتظمة.
ويرى حارث أن توزيع الموازنة يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار حجم السكان والاحتياجات الفعلية لكل وحدة إدارية، مبيناً أن القانون يفرض على السلطة المحلية تخصيص حصة عادلة للوحدات الإدارية بما يتناسب مع مسؤولياتها ونسب السكان فيها، وليس الاكتفاء بتوزيع المشاريع بصورة لا تعكس حجم الحاجة الخدمية، أو الاهتمام فقط بمركز المدينة، أو المناطق التي تتضمن قواعدهم الانتخابية.
ويشير إلى تصريحات محلية تفيد بأن الموصل جاءت بالمرتبة الثالثة على مستوى العراق من حيث عدد المشاريع الممنوحة للمقاولين خلال عام 2025، إذ مُنح 231 مشروعاً بكلفة تجاوزت تريليون دينار، من أصل نحو 24 تريليون دينار مخصصة لمشاريع البناء في عموم العراق، مؤكداً أن وجود هذا الحجم من المشاريع لا يعني بالضرورة وصول آثارها إلى جميع المناطق بصورة متساوية.
ويتابع حارث أن "المواطن لا يقيس حجم الإنفاق بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بما يلمسه في الشارع من طريق صالح للاستخدام ومدرسة تستوعب أبناءه ومركز صحي قريب منه"، موضحاً أن استمرار الفجوة بين حجم الاحتياجات وما يصل إلى القرى من مشاريع يغذي شعوراً بعدم العدالة في توزيع الموارد.
ويلفت إلى أن الأزمة المالية التي يمر بها العراق تزيد من صعوبة معالجة هذا التراكم الخدمي، بعدما انعكست على الإنفاق الاستثماري وتعليق أو تأخير عدد من المشاريع، وتأخر صرف رواتب الموظفين في نهاية تموز الماضي، الأمر الذي يجعل معالجة ملف الخدمات بحاجة إلى أولويات واضحة وتوزيع أكثر عدالة للموارد المتاحة، وأن استمرار هذا التفاوت يعني بقاء آثار الحرب حاضرة في حياة السكان حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وفي تصريح لعضو مجلس محافظة نينوى، أحمد العبد ربه، ذكر أن "موازنة الأعوام الثلاثة 2023-2025 كانت أكثر من تريليون دينار، لكن ما وصل إلى المحافظة كان 512 مليار دينار فقط"، وبين أن "من المفترض أن لا يتعدى موعد وصول الموازنة كاملةً عام 2025"، مؤكداً أن مجلس المحافظة يسعى من خلال إصدار قرار إلى مناقشة هذا الملف مع بغداد.