اخر الاخبار

رغم ما أظهره التعداد العام للسكان والمساكن من مؤشرات يفترض أن تمنح الدولة صورة أكثر دقة عن الواقع السكني، فإن قراءة هذه النتائج تفتح نقاشاً أوسع بشأن طبيعة السكن الذي تعيش فيه الأسر العراقية، ومدى قدرته على تلبية احتياجاتها الفعلية؛ فالمشكلة لا تبدو محصورة في توفير وحدة سكنية لكل أسرة، وإنما في ضمان أن تكون هذه الوحدة مستقلة وملائمة وقادرة على توفير الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم.

وفي بلد يشهد نمواً سكانياً متسارعاً وتوسعاً مستمراً في المدن، تتقاطع أزمة السكن مع ارتفاع كلفة البناء، وضعف القدرة الشرائية، ونقص الأراضي المخدومة، فضلاً عن تحديات التمويل وتوفير البنى التحتية.

وبينما يفترض أن تشكل بيانات التعداد أساساً لإعادة رسم السياسات السكنية، يبقى السؤال حول كيفية تحويل هذه البيانات إلى خطط قادرة على معالجة الاحتياج الفعلي للأسر، لا الاكتفاء برصد وجود المساكن وعددها.

ارقام ومعطيات

هذا وأظهرت نتائج التعداد العام للسكان والمساكن أن نسبة السكن الملك والمجاني مع الوالدين بلغت 72.14 في المائة، فيما بلغت نسبة الأسر التي تسكن بالإيجار الخاص 19.41 في المائة، وبلغ إجمالي المساكن المخصصة للسكن الخاص 8.34 ملايين مسكن.

لكن هذه الأرقام لا تعكس وحدها حجم الحاجة الفعلية إلى السكن اللائق؛ إذ تشير سياسة الإسكان الوطنية للعراق 2025–2030، التي أعدت بدعم من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، إلى أن النتائج الأولية للتعداد لم تُظهر عجزاً سكنياً ظاهرياً، لأنها احتسبت مختلف أنواع المساكن، بما فيها الخيام والبيوت الطينية والمساكن المؤقتة وغير الملائمة. وعند وضع نتائج التعداد إلى جانب معدل الاكتظاظ السكني البالغ 29.1 في المائة، وفق المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة في العراق 2023–2024، خلصت الوثيقة إلى تقدير العجز السكني الفعلي بنحو 2.3 مليون وحدة سكنية.

وتشير السياسة الوطنية للإسكان إلى أن محدودية تخصيصات إيصال الخدمات إلى المناطق السكنية المخططة أدت إلى تأخر تطوير مناطق سكنية رسمية، وأحجمت بعض الأسر عن البناء فيها بسبب عدم توفر الخدمات.

وفي محاولة لمعالجة الفجوة، أقرت وزارة الإعمار والإسكان منذ عام 2024 تنفيذ 21 مشروع مدينة جديدة تضم نحو 765 ألف وحدة سكنية، مع وجود 8 مشاريع إضافية قيد انتظار الموافقة توفر قرابة 329 ألف وحدة.

مجلس الاسكان

في هذا الصدد، قال عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، الرفيق ظافر مردان، إن معالجة أزمة السكن في العراق لا يمكن أن تقوم على خطط متفرقة أو مبادرات ظرفية، مؤكداً أن أي سياسة سكنية جدية يجب أن تستند إلى بيانات سكانية تفصيلية ودقيقة، وخطة حكومية ملزمة تترافق مع تخصيصات مالية كافية وآليات واضحة للتنفيذ.

واضاف مردان في حديث لـ"طريق الشعب"، أن الحكومات المتعاقبة طرحت خلال السنوات الماضية خططاً ومشاريع مختلفة لمعالجة أزمة السكن، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة بسبب مجموعة من العقبات، في مقدمتها عدم توفر الأراضي المخصصة والمخدومة، وضعف التخطيط المؤسساتي، وعدم قدرة شريحة واسعة من المواطنين على تحمل كلفة بناء المسكن حتى في حال حصولها على قطعة أرض.

وتابع ان "كل حكومة تأتي تطرح فكرة توفير السكن، وتعلن أنها ستفعل كذا وكذا، لكن المفترض أن تكون هذه الخطط مبنية على الدراسات والبيانات التي توفرها الجهات المختصة"، مبيناً أن توفير الأراضي وحده لا يمثل حلاً لأزمة السكن، لأن الحصول على قطعة أرض لا يعني بالضرورة قدرة المواطن على تحويلها إلى وحدة سكنية.

وزاد بالقول، أن الحكومة قد تتمكن من توفير أعداد كبيرة من قطع الأراضي، "لكن الناس لن تستطيع شغلها أو بناءها إذا لم تتوفر مواد البناء والأيدي العاملة والتمويل والسيولة الكافية".

واشار إلى أن منح المواطن قطعة أرض وهو غير قادر على بناء مسكن عليها، لا ينهي الأزمة، بل قد يحول الأراضي إلى مساحات غير مستغلة أو يخلق مشكلة أخرى تتعلق بآليات استرجاعها وتوزيعها.

وأكد أن أي سياسة لتوزيع الأراضي يجب أن ترتبط أولاً بمعايير واضحة لتحديد المستحقين، لأن القضية لا تتعلق بمجرد توزيع الأراضي، وإنما بضمان وصولها إلى الفئات التي تحتاج إليها وقادرة على الاستفادة منها ضمن خطة سكنية متكاملة.

وأشار إلى أن هناك فارقاً كبيراً بين معرفة عدد الوحدات السكنية الموجودة وبين معرفة كيفية توزيعها بين السكان، موضحاً أن وجود ملايين الوحدات السكنية لا يعني بالضرورة أن هذه الوحدات موزعة بصورة عادلة أو أن كل أسرة عراقية تمتلك مسكناً مستقلاً.

وبيّن، أن هناك عشرة ملايين وحدة سكنية، لكن هذا لا يعني أن كل أربعة أو خمسة عراقيين لديهم بيت، لأن الواقع قد يتضمن أشخاصاً أو أسراً تمتلك أكثر من وحدة سكنية، مقابل مئات الآلاف أو الملايين ممن لا يمتلكون أرضاً أو مسكناً مستقلاً.

وأكد أن هذه المسألة تكشف أهمية التمييز بين عدد المساكن وعدد الأسر التي تحتاج إلى مساكن مستقلة، معتبراً أن الخلط بين المؤشرين قد يؤدي إلى نتائج مضللة عند تقدير حجم العجز السكني.

النتائج التفصيلية ما تزال غائبة

من جانبه، انتقد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني، إعلان نتائج التعداد السكاني بصيغة إجمالية، مشيراً إلى أن غياب النتائج التفصيلية يحول دون تقديم قراءة دقيقة للواقع السكاني والاقتصادي والاجتماعي في العراق، ولا سيما فيما يتعلق بأوضاع السكن والبطالة والفقر والتوزيع بين المناطق الريفية والحضرية.

وقال المشهداني لـ"طريق الشعب"، إن "الإحصاء أعلن نتائج إجمالية، لكننا لا نعرف التفاصيل الدقيقة حتى نستطيع الحكم على مدى شمولية النتائج ووضوحها"، مبيناً أن البيانات التي أعلنت حتى الآن لا توفر صورة كافية عن مختلف المؤشرات التي يفترض أن يكشفها التعداد، بما فيها معدلات البطالة والفقر وأوضاع السكان في الريف والمدن.

وأوضح المشهداني، "حتى الـ72 في المائة التي أُعلنت لا نعرف كيف توزعت، ولا نعرف هل تشمل العشوائيات أم لا، لأن كل هذه المساكن احتُسبت في النهاية كوحدات سكنية، حتى الصرائف"، مردفا "حتى لو ان 72 في المائة لديهم سكن، يبقى هناك بالمقابل 6-7 مليون بلا سكن".

وبيّن أن العراق ينتظر منذ سنوات بيانات تفصيلية تساعده على تحديد حجم مشكلاته بصورة دقيقة، قائلاً إن الحاجة إلى التعداد السكاني كانت مرتبطة أساساً بكونه أداة للتخطيط، "فإذا لم تكن لدي نتائج حقيقية ودقيقة، فكيف يمكن أن أضع خططاً صحيحة؟ بالتأكيد ستكون النتائج والخطط خاطئة".

ولفت إلى أن العراق يحتاج إلى نحو 200 ألف وحدة سكنية سنوياً لمواكبة الزيادة السكانية، موضحاً أ دو وين عدد السكان يرتفع بنحو مليون نسمة سنوياً، ومع متوسط حجم الأسرة العراقية البالغ نحو خمسة أفراد.

وانتقد المشهداني التعويل على المجمعات السكنية بوصفها حلاً لأزمة الإسكان، قائلاً إن "هذه المجمعات لم تحل المشكلة بقدر ما عقدتها"، بسبب ارتفاع أسعار الوحدات السكنية وعدم قدرة أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة على الحصول عليها، فضلاً عن وجود وحدات سكنية بقيت فارغة وغير مأهولة في بعض المشاريع.

وأكد أن الإعلان عن النتائج التفصيلية للتعداد يمثل ضرورة لمعرفة حجم الاحتياجات الفعلية، مشيراً إلى أن مرور فترة طويلة على إجراء التعداد من دون نشر جميع بياناته يبقي جزءاً كبيراً من الصورة غامضاً.

وانتقد بعض آليات الاستثمار في المجمعات السكنية، مشيراً إلى وجود مشكلات تتعلق بدراسات الجدوى والأسعار النهائية للوحدات، ومبيناً أن بعض المشاريع شهدت فجوة بين الأسعار التي بُنيت عليها دراسات الجدوى وبين الأسعار التي طرحت بها الوحدات السكنية للمواطنين.

وأوضح أن المستثمر عند تقديم دراسة جدوى لمشروع سكني، يفترض أن يكون ملتزماً بالأسس التي قدمها في دراسته، لافتاً إلى أن "من يقول إن كلفة الوحدة مئة دولار يفترض أن يبيع على هذا الأساس، ومن يقول ألفاً يفترض أن يبيع بألف، وليس أن يقدم دراسة على أساس ألف ثم يبيع بخمسة آلاف".

ما طبيعة هذه المساكن؟

الى ذلك، اكد الخبير الاقتصادي صالح الهماشي أن ارتفاع نسبة الأسر التي تمتلك أو تشغل مسكناً لا يعني بالضرورة أن العراق تجاوز أزمة السكن أو أن غالبية العراقيين يتمتعون بسكن لائق ومستقل، مبيناً أن هناك فرقاً كبيراً بين امتلاك مسكن من الناحية الإحصائية وبين امتلاك وحدة سكنية مناسبة من حيث المساحة والجودة والخدمات والاستقلالية.

وقال الهماشي في حديثه مع "طريق الشعب"، ان بعض الأسر قد تكون مدرجة ضمن الأسر المالكة لمسكن، لكنها في الواقع تعيش في منزل صغير لا يتناسب مع عدد أفرادها، أو تتشارك المسكن مع أسرة أخرى، أو تعيش في منزل عشوائي أو متجاوز أو يفتقر إلى بعض الخدمات، وبالتالي فإن تصنيفها ضمن خانة "المالكين" لا يعني بالضرورة أنها خرجت من دائرة الحاجة السكنية.

وأضاف أن "السكن اللائق يقاس بمجموعة من المعايير التي تجعل المسكن صالحاً لحياة الأسرة، وفي مقدمتها المساحة المناسبة، والاستقلالية، والسلامة الإنشائية، وتوفر الماء والكهرباء والصرف الصحي والخدمات الأساسية"، لافتاً إلى أن أي قراءة لأزمة السكن لا تأخذ هذه العناصر مجتمعة ستكون قراءة ناقصة.

وأشار الهماشي إلى أن مشكلة العراق لا ترتبط فقط بعدد الوحدات السكنية الموجودة، وإنما أيضاً بتوزيعها وبقدرتها على استيعاب النمو السكاني والتغير في حجم الأسر، فضلاً عن ارتفاع أسعار العقارات والأراضي وكلف البناء والإيجارات، وهي عوامل تجعل الوصول إلى سكن مناسب أمراً صعباً بالنسبة إلى شرائح واسعة من المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.

وتابع أن وجود أكثر من أسرة داخل المسكن الواحد يمثل مؤشراً مهماً ينبغي التوقف عنده، لأن الأسرة التي تعيش مع والديها أو أقاربها في منزل واحد قد تظهر إحصائياً ضمن الأسر التي لديها مأوى، لكنها من الناحية الفعلية لا تمتلك وحدة سكنية مستقلة، وهذا فارق مهم عند احتساب الحاجة السكنية ووضع السياسات الحكومية.

وأكد أن "المشكلة ليست في أرقام التعداد بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي نقرأ بها هذه الأرقام"، مبيناً أن التعداد يوفر قاعدة بيانات مهمة للدولة، لكن تحويل هذه البيانات إلى سياسات سكنية فعالة يتطلب قراءة أوسع لمؤشرات الاكتظاظ والمساحة وجودة البناء والخدمات والاستقلالية السكنية.

ولفت إلى أن العراق بحاجة إلى الانتقال من مفهوم معالجة "العجز العددي"، في الوحدات السكنية إلى مفهوم أوسع يقوم على توفير "السكن اللائق"، لأن بناء وحدات سكنية جديدة لا يعالج المشكلة بصورة كاملة إذا كانت تلك الوحدات بعيدة عن فرص العمل والخدمات والنقل أو غير قادرة على تلبية القدرة الشرائية للمواطنين.