اخر الاخبار

لم تعد حالات الانتحار في العراق حوادث متفرقة تنتهي بفتح محاضر التحقيق، بل ظاهرة تكشف عن ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية، تتراكم لدى فئات مختلفة، ولا سيما بين الشباب والمراهقين.

 ومع تسجيل مئات الحالات خلال العام الحالي، تبرز أسئلة عن الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص إلى انهاء حياتهم ومدى قدرة منظومة الصحة النفسية على اكتشاف الحالات المعرضة للخطر والتدخل قبل فوات الأوان، في ظل محدودية الخدمات المتخصصة والوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب المساعدة النفسية.

617 حالة انتحار خلال ستة اشهر

وسجلت بغداد خلال 25 أيلول 2026، ثلاث حالات انتحار لمراهقين خلال ساعات، في مناطق أبو دشير وأبو غريب والحسينية. وطالت الحالات فتاة وشابين من مواليد 2009 و2010، فيما أشارت المعلومات الأولية إلى معاناة نفسية في حالتين، بينما رُبطت الحالة الثالثة برسوب أحد المراهقين في الامتحانات، بحسب مصادر أمنية. كما سجلت محافظة النجف حالة انتحار لفتى يبلغ 16 عاما داخل منزله شمالي مركز المحافظة، فيما لم تعرف ملابسات الحادثة، بحسب مصادر أمنية.

وفي اليوم التالي، 26 أيلول، سجلت حالة انتحار لشابة تبلغ 25 عاما داخل منزلها في منطقة شهداء السيدية ببغداد. وقد فتحت الأجهزة الأمنية تحقيقاً لمعرفة ملابسات الحادث.

وتأتي هذه الحوادث بعد إعلان وزارة الداخلية تسجيل 617 حالة انتحار في عموم العراق خلال النصف الأول من 2026.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يعاني نحو واحد من كل أربعة عراقيين من هشاشة نفسية، في وقت لا يتجاوز فيه عدد الأطباء النفسيين ثلاثة أطباء لكل مليون نسمة، فيما لا تتجاوز حصة الصحة النفسية 2 في المائة من إجمالي الإنفاق الصحي.

وكشف مجلس القضاء الأعلى في بيانات تابعتها "طريق الشعب"، استمرار تسجيل حالات انتحار في عدد من المحافظات، إذ أعلن مجلس القضاء الأعلى تسجيل 16 حالة انتحار خلال تموز الماضي، توزعت بواقع خمس حالات في نينوى، وثلاث في كركوك، وحالتين في كل من بغداد/الرصافة وديالى والقادسية، وحالة واحدة في كل من بغداد/الكرخ وواسط.

أما خلال حزيران الماضي، فسجلت المحاكم 18 حالة انتحار، توزعت بواقع خمس حالات في نينوى، وأربع في واسط، وثلاث حالات في كل من البصرة وذي قار، وحالة واحدة في كل من كركوك وميسان والقادسية.

عوامل اجتماعية واقتصادية متداخلة

ويقول علي الناشي، مسؤول منظمة التواصل والإخاء الإنسانية في محافظة ذي قار، ان حالات الانتحار والأمراض النفسية في المجتمع المحلي ترتبط بجملة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية المتداخلة، مبينا أن التفكك الأسري والظروف الاقتصادية الصعبة، ولا سيما الفقر والبطالة وصعوبة الحصول على فرص عمل، تعد من أبرز الضغوط التي يواجهها الشباب.

ويضيف الناشي في حديث لـ"طريق الشعب"، إن البطالة لا يقف اثرها عند الجانب الاقتصادي، بل يمتد لجوانب اجتماعية ونفسية أخرى، لافتا الى انتشار تعاطي المخدرات بين بعض الشباب إلى جانب تنامي حالات الابتزاز الإلكتروني وغياب الجهات الساندة التي توفر الحماية والدعم للضحايا، ما يزيد من الضغوط التي يتعرضون لها.

ويشير إلى أن بعض الحالات التي وصلت الى المنظمة ارتبطت أيضا بـمشكلات مالية وديون مستحقة، الامر الذي فاقم الضغوط النفسية على أصحابها، مبينا ان تراكم هذه الأزمات من دون وجود دعم او حلول قد يدفع بعض الأشخاص إلى التفكير بالانتحار.

ويلفت الناشي الى ان "مظاهر التهميش والبطالة تبدو واضحة بين فئة الشباب"، مفيدا بان "اعدادا كبيرة منهم يقضون اوقاتهم في المقاهي من دون عمل وهو ما يراه مؤشرا على اتساع حالة الاحباط وفقدان الأمل لدى بعضهم".

ويؤكد أن التعامل مع هذه الحالات يحتاج الى متابعة نفسية واجتماعية مستمرة، مشيرا الى أن الاعداد الكبيرة التي راجعت مراكز العلاج النفسي الحكومية تقابلها أعداد مماثلة، بحسب تقديره، في العيادات الخاصة، ما يعكس حجم الحاجة الى خدمات متخصصة ودعم نفسي واجتماعي أكثر شمولا.

200 طببب في عموم البلد

في حين تقول بتول العيسى، أخصائية الطب النفسي الدكتورة، ان من ابرز العوامل النفسية  هو الإصابة بالاكتئاب والقلق، مبينة أن معدلات الاكتئاب في العراق، بحسب تقديراتها، تتجاوز 20 في المائة، فيما تتجاوز معدلات القلق 28 في المائة.

وفي حديث لـ"طريق الشعب"، تشير العيسى الى صعوبة الوصول إلى العلاج النفسي، بسبب الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالامراض النفسية، وقلة الخدمات المتخصصة والنقص الكبير في أعداد الأطباء النفسيين مقارنة بعدد السكان، مشيرة الى ان عددهم لا يتجاوز، بحسب تقديرها، 200 طبيب.

وتلفت العيسى الى ان العراقيين تعرضوا خلال العقود الماضية لصدمات متعددة، من بينها فقدان الأحبة والعنف والتهجير والنزوح، وهي تجارب يمكن أن تترك آثار نفسية طويلة الامد ولا سيما عندما لا تتوفر خدمات متخصصة للتعامل معها.

وعلى المستوى الاجتماعي، تشير الى أن العنف الاسري والتفكك الأسري وكثرة حالات الطلاق والخلافات بين الأزواج تمثل مصادر إضافية للضغط النفسي، مبينة أن آثار هذه المشكلات لا تقتصر على الزوجين، وانما تمتد الى الأطفال والمراهقين داخل الأسرة.

قيود اجتماعية وظروف سياسية وأمنية

وتضيف أن القيود الاجتماعية وبعض التقاليد، ومنها الزواج القسري وزواج الفتيات في سن مبكرة، يمكن أن تزيد الضغوط النفسية، خصوصا لدى الفتيات اللواتي يجدن أنفسهن أمام قرارات مصيرية تفرض عليهن من دون امتلاك القدرة على رفضها أو اختيار مسار حياتهن.

أما اقتصادياً، فتوضح العيسى أن البطالة وقلة فرص العمل والضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار تشكل عوامل ضاغطة، ولا سيما لدى الشباب الذين يواجهون صعوبة في بناء مستقبلهم، الأمر الذي قد يؤدي إلى الإحباط والشعور بفقدان الأمل.

وتشير كذلك لتأثير الظروف السياسية والامنية والحروب التي مر بها العراق، وما تسببه من شعور بعدم الأمان والقلق بشأن المستقبل، فضلا عن انتشار المخدرات بين بعض فئات الشباب، باعتبارها عاملا يمكن أن يزيد من المخاطر المرتبطة بالسلوك الانتحاري.

تداعيات العالم الافتراضي

وتتوقف العيسى عند تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، موضحة ان المقارنة المستمرة مع الصور المثالية والمزيفة للحياة التي تعرض عبر المنصات الرقمية، لجانب التنمر والشعور بالنقص، يمكن أن تزيد الضغوط النفسية لدى بعض الشباب والمراهقين.

كما ترى أن جائحة كورونا وما رافقها من عزلة واضطرابات في الحياة اليومية وضغوط نفسية اسهمت في زيادة المشكلات النفسية، مشيرة إلى أن اثارها استمرت حتى بعد انتهاء فترة الجائحة.

وتؤكد العيسى أن الارقام المسجلة لا تعكس بالضرورة الحجم الكامل للظاهرة، بسبب وجود حالات قد لا يبلغ عنها نتيجة الوصمة الاجتماعية والخوف من نظرة المجتمع، مشددة على أن الانتحار لا يمكن التعامل معه بوصفه مشكلة فردية فقط، وانما نتيجة لتداخل ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية، ما يتطلب معالجة هذه العوامل بالتوازي مع توسيع خدمات الصحة النفسية وتسهيل الوصول اليها.

التفكك والعنف الاسري

تقول بلقيس الزاملي، باحثة اجتماعية: ان حالات الانتحار لا ترتبط بعامل واحد بل تأتي نتيجة تراكم مجموعة من الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية، مبينة ان الشباب والمراهقين يكونون أكثر تأثرا بهذه الضغوط، خاصة في المراحل التي يواجهون فيها صعوبة في التعامل مع الأزمات أو التعبير عن مشكلاتهم.

وتوضح الزاملي لـ"طريق الشعب"، ان التفكك الاسري والعنف داخل الاسرة لجانب الفقر والبطالة وغياب فرص العمل، يمكن ان تزيد من الضغوط التي يعيشها الشباب، مشيرة الى ان الابتزاز الالكتروني والتنمر عبر مواقع التواصل الاجتماعي باتا يمثلان مصادر إضافية للضغط ولا سيما لدى المراهقين.

وتضيف ان ضعف التواصل داخل الاسرة والخوف من الوصمة الاجتماعية قد يمنعان بعض الأشخاص من طلب المساعدة عند تعرضهم لأزمات نفسية ما يجعل اكتشاف حالات الخطر أكثر صعوبة.

وتؤكد الزاملي ان مواجهة الظاهرة تتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية والاجتماعية من خلال توفير مساحات آمنة للشباب للتعبير عن مشكلاتهم، وتعزيز التوعية بالصحة النفسية وتدريب الكوادر التعليمية والاجتماعية على ملاحظة التغيرات السلوكية والنفسية لدى المراهقين وإحالتهم إلى المختصين عند الحاجة.ش