اخر الاخبار

مع اقتراب موسم الأمطار، يعود ملف المياه إلى الواجهة في العراق، ليس فقط من بوابة الاستعداد للسيول وتجمعات المياه، وإنما من زاوية أوسع تتعلق بكيفية التعامل مع الأمطار بعد هطولها.

وبين استعدادات تركز على جاهزية شبكات التصريف، وتحذيرات مختصين من استمرار مشكلات إدارة الموارد، يطرح تساؤل أساسي: هل يمتلك العراق ما يكفي من الخطط والإجراءات لتحويل مياه الأمطار إلى مورد يعزز خزونه المائية، بدلاً من أن تنتهي معظمها عبر مسارات التصريف؟

آمال وتحديات

ويأتي الاستعداد هذا العام، وسط تحديات مائية متراكمة، بعد سنوات من الجفاف وتراجع الإيرادات المائية، ما يجعل كميات الأمطار المتساقطة عاملاً مهماً في دعم الخزين المائي وتعزيز مناسيب السدود والخزانات وإنعاش الأهوار.

وفي المقابل، تفرض الأمطار الغزيرة تحديات أخرى تتعلق بالسيول وتجمع المياه داخل المدن، ولا سيما في المناطق التي تعاني من ضعف شبكات التصريف أو انسداد المجاري والعبارات، الأمر الذي يتطلب رفع جاهزية الجهات الخدمية وتعزيز إجراءات الاستجابة المبكرة.

وتتزامن هذه التحديات مع استمرار الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة لمياه الأمطار، بما لا يقتصر على تصريفها خلال الموجات المطرية، وإنما يشمل استثمارها في تعزيز الخزين المائي، وتغذية المياه الجوفية، ودعم الأهوار، والحد من آثار شح المياه والملوحة في المناطق الجنوبية.

غرفة عمليات

وفي بغداد، أعلنت أمانة العاصمة اتخاذ إجراءات مبكرة استعداداً للموسم، شملت تأهيل أجزاء من شبكات التصريف والخطوط الناقلة والمحطات، إلى جانب تفعيل غرفة عمليات مشتركة وإنشاء خطوط طوارئ في المناطق التي شهدت تجمعات مائية خلال المواسم السابقة.

يقول المتحدث باسم الأمانة، عدي الجنديل، إن أمانة بغداد اتخذت جملة من الإجراءات والاستعدادات المبكرة لموسم الأمطار، شملت إعادة تأهيل الخطوط الناقلة الرئيسة والمحطات الحاكمة، وتعزيز جاهزية منظومة تصريف مياه الأمطار في العاصمة.

ويضيف الجنديل لـ"طريق الشعب"، أن دائرة مجاري بغداد عملت على إصلاح أكثر من 60 تخصّصاً على الخطوط الناقلة داخل العاصمة، إلى جانب توجيه القواطع البلدية في الدوائر البلدية لإجراء أعمال الإصلاح والصيانة للتخسفات والمحطات الفرعية والحاكمة، فضلاً عن تنظيف وتسليك الخطوط الفرعية ومشبكات تصريف مياه الأمطار.

ويتابع القول أن الأمانة فعّلت غرفة عمليات برئاسة أمين بغداد وعضوية الوكلاء العامين، وبمشاركة ممثلين عن وزارات الكهرباء والدفاع المدني والموارد المائية، تحسباً لأي طارئ قد يحدث خلال هطول الأمطار.

ويشير المتحدث إلى استمرار أمانة بغداد بأعمال التنظيف والتسليك والصيانة لجميع المرافق والمنشآت الخاصة بتصريف مياه الأمطار، مبيناً أن المناطق التي شهدت تجمعات للمياه خلال الموسم الماضي حظيت بإجراءات إضافية، من بينها إنشاء خطوط طوارئ جديدة وإدخالها إلى الخدمة تحسباً لأي تجمعات مائية داخل العاصمة.

ويبيّن أن أقسام المجاري في الدوائر البلدية ودائرة مجاري بغداد تواصل استعداداتها المبكرة لموسم الأمطار، لافتاً إلى أن الطاقة الاستيعابية للخطوط الناقلة تبلغ نحو 22 ملم من مياه الأمطار.

ويردف كلامه بأنه في حال سقوط كميات أكبر من ذلك خلال فترة زمنية قصيرة، قد تشهد بعض المناطق تجمعات مائية مؤقتة، تحتاج إلى نحو ساعة أو ساعتين لتصريفها، مقارنة بالسنوات السابقة التي كانت تستغرق فيها عملية تصريف مياه الأمطار من 10 إلى 20 يوماً.

ويؤكد أن هذا التحسن جاء نتيجة الإجراءات التي اتخذتها أمانة بغداد خلال السنوات الأخيرة، من خلال مد خطوط جديدة وتوسعة شبكات التصريف ورفع قدرتها على استيعاب مياه الأمطار، معرباً عن أمله بأن يكون الموسم المقبل موسم خير على العاصمة بغداد.

لا نملك خططا واضحة

وفي ما يتعلق باستعداد الحكومة للموسم المطري، قال رئيس المرصد العراقي الأخضر، عمر عبد اللطيف، إن أي موسم أمطار يمكن أن يسهم في تعزيز الخزين المائي في العراق، إلا أن البلاد لا تستفيد بالشكل المطلوب من هذه المياه، ولا توجد، بحسب قوله، خطة واضحة بهذا الاتجاه.

وبين في حديثه مع "طريق الشعب"، أن المياه الموجودة في العراق تذهب في نهاية المطاف باتجاه الخليج، مشيراً إلى وجود استثناءات مستمرة في استخدام المياه، ولا سيما في القطاع الزراعي.

وبيّن أن من بين أبرز هذه الاستثناءات زراعة الشلب، إضافة إلى عدد من المحاصيل الزراعية الأخرى التي تتطلب كميات كبيرة من المياه، الأمر الذي يزيد من حجم الاستهلاك المائي في ظل الظروف التي يمر بها العراق.

وأضاف أن مزارع الأسماك تمثل عاملاً آخر في استهلاك المياه، لافتاً إلى أن غالبية هذه المزارع، بحسب تقديره، غير نظامية، ما يستدعي معالجة هذا الملف وتنظيمه بما ينسجم مع واقع الموارد المائية في البلاد.

وأشار عبد اللطيف إلى وجود مشكلة أخرى تتعلق بتصرفات بعض المحافظات في إدارة المياه، موضحاً أن بعض المحافظات تقوم بقطع المياه أو الحد من وصولها إلى المحافظات الواقعة بعدها، في إشارة إلى المحافظات الوسطى التي قال إنها تحاول، في بعض الحالات، الحد من وصول المياه إلى المحافظات الجنوبية.

وحذر من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى تفاقم مشكلات شح المياه والتلوث في المحافظات الجنوبية، معتبراً أن هذه القضية تمثل مشكلة كبيرة ينبغي معالجتها خلال المرحلة المقبلة.

وأكد أن معالجة هذه الملفات يجب أن تكون ضمن خطط وزارة الموارد المائية، بما يشمل تنظيم عملية توزيع المياه بين المحافظات، والسيطرة على الاستثناءات الممنوحة في القطاع الزراعي، فضلاً عن تنظيم عمل مزارع وبحيرات الأسماك، ولا سيما غير النظامية منها.

وشدد عبد اللطيف على ضرورة وضع آليات واضحة لإدارة الموارد المائية والاستفادة من مياه الأمطار، بما يضمن تعزيز الخزين المائي وعدم هدر المياه أو الإضرار بحصة المحافظات الواقعة في أسفل مجرى الأنهار.

تفاؤل بموسم أمطار جيد

من جانبه، اكد خبير الاستراتيجيات والسياسات المائية وتغير المناخ، رمضان حمزة، إن الاستعدادات الحكومية في الجانب المائي لموسم الأمطار وفصل الشتاء تبدو أفضل من العام الماضي، لكنها لا تزال دون مستوى التحديات التي يواجهها العراق، في ظل سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية.

وقال حمزة لـ"طريق الشعب"، أن عام 2025 كان، بحسب وزارة الموارد المائية، من أكثر الأعوام جفافاً منذ عام 1933، فيما شهد الخزين المائي تحسناً ملحوظاً عقب أمطار ربيع 2026، مشيراً إلى أن متحدث الوزارة أعلن في حزيران الماضي ارتفاع الخزين من 5 مليارات متر مكعب إلى نحو ستة أضعافه.

وأضاف أن الأهوار لا تزال تواجه مخاطر، مع استمرار انخفاض نسب الإغمار في هور الحمار الغربي والأهوار الوسطى، واحتمالية تراجعها خلال فصل الصيف، مبيناً أن تقييم الوضع المائي يتأثر أيضاً بتباين الأرقام الصادرة عن الجهات المختلفة.

وأشار إلى أن مرصد العراق الأخضر قدّر، خلال إحدى موجات الأمطار، أن الزيادة في الخزين لم تتجاوز نحو 2 في المائة، فيما وصفت وزارة الموارد المائية هذه الأرقام بغير الدقيقة، معتبراً أن هذا التباين يؤكد الحاجة إلى اعتماد بيانات مائية موحدة وشفافة.

وبيّن حمزة أن موسم الأمطار المقبل يمكن أن يسهم بصورة حقيقية في دعم الخزين المائي، لكنه لن يكون كافياً وحده لتعويض سنوات الجفاف، لافتاً إلى أن حجم الإيرادات سيبقى مرتبطاً بكمية الأمطار المتحققة.

وأوضح أن العراق يمتلك مساحات خزن متاحة في عدد من السدود والخزانات، من بينها دوكان ودربندخان وحمرين والثرثار والرزازة والحبانية وحديثة، ما يوفر قدرة على استيعاب كميات إضافية من المياه.

وأكد أهمية توجيه الإيرادات المائية نحو السدود الرئيسية، وإنعاش الأهوار وتقليل الملوحة في المناطق الجنوبية، إلى جانب متابعة الروافد الشرقية والشمالية، ولا سيما الزاب الأسفل والخابور وحزام ديالى–خانقين، ورفع الجاهزية الفنية للسدود من خلال صيانة البوابات والمفيضات وإزالة الترسبات.

وشدد على ضرورة ربط الإطلاقات التشغيلية بخطط الصيف والقطاع الزراعي، بما يحد من هدر المياه المخزونة، مشيراً إلى أهمية اعتماد إجراءات مستمرة لتعظيم الاستفادة من المواسم المطرية حتى عام 2030.

وحذر حمزة من استمرار مخاطر السيول والفيضانات وتجمع مياه الأمطار، خصوصاً أن موجات الأمطار والسيول تسببت في أضرار مادية وبشرية في بعض المناطق خلال فترات سابقة.

وعزا أبرز أسباب تكرار هذه المشكلات إلى ضعف البنية التحتية لشبكات الصرف في المدن، وانسداد المجاري والعبارات، والتجاوزات على مجاري الأودية والمسيلات الطبيعية، فضلاً عن ضعف أنظمة الإنذار المبكر على مستوى المحافظات.

ولفت إلى أن الاعتماد على التصريف السريع لمياه الأمطار بدلاً من استثمارها في الحجز والتغذية الجوفية يؤدي إلى هدر جزء من الموارد المائية، داعياً إلى تطوير آليات أكثر فاعلية لحصاد مياه الأمطار.

وقال إن الخطاب الرسمي يتحدث عن الاستفادة من مياه الأمطار، إلا أن الواقع لا يزال يميل بدرجة أكبر إلى الإدارة الطارئة لموجات الأمطار والسيول، موضحاً أن ما أعلنته الجهات الحكومية يتعلق بتوجيه السيول إلى السدود والأهوار، فيما لا تزال الحاجة قائمة إلى خطة وطنية واضحة للحصاد المائي على نطاق واسع.

وأشار إلى أن هذه الخطة ينبغي أن تشمل إنشاء سدود صغيرة وحواجز ترابية في الوديان الصحراوية والجبلية، وتعزيز تغذية المياه الجوفية في المناطق المناسبة، وفصل شبكات تصريف مياه الأمطار عن مياه الصرف الصحي في المدن، فضلاً عن إنشاء خزانات لحصاد المياه من أسطح المباني والمنشآت العامة.

ورأى أن وجود مثل هذه الخطط داخل الوزارات، إن كانت قائمة، يتطلب إعلانها بصورة واضحة، مع تحديد جداول زمنية وموازنات مخصصة لتنفيذها.

تطوير أنظمة الإنذار المبكر

ونبه حمزة إلى أن المناطق الشمالية والشرقية، ومنها نينوى وأربيل ودهوك والسليمانية وكركوك وديالى، تحتاج إلى استعداد أكبر لمواجهة الأمطار والسيول، نظراً إلى تركّز كميات من الأمطار والسيول فيها واتصالها بروافد الزاب والخابور ودجلة وديالى، مشيراً إلى أن ديالى كانت من أكثر المحافظات تضرراً من الشح المائي بحسب وزارة الموارد المائية.

وشدد على ضرورة مراقبة مناسيب نهري دجلة والفرات وسرعة الجريان، وإعلان البيانات المتعلقة بها بصورة واضحة للجمهور، لافتاً إلى حدوث تباين في وقت سابق بين تصريحات مدير موارد الأنبار ووزارة الموارد المائية بشأن ارتفاع مناسيب الفرات.

كما دعا إلى التأكد من السلامة الفنية للسدود قبل ورود كميات كبيرة من المياه، ولا سيما سد الموصل، فضلاً عن ضمان حصة مائية مستدامة للأهوار والمناطق الجنوبية والعمل على تقليل مستويات الملوحة في شط العرب.

وفي المدن الكبرى، وفي مقدمتها بغداد والموصل والنجف وكربلاء والبصرة، دعا إلى تنظيف شبكات المجاري وتشغيل محطات الضخ ورفع جاهزية فرق الطوارئ، مع إيلاء اهتمام خاص لأطراف المدن والمناطق غير المخططة.

وختم حديثه بالتأكيد على أهمية إعداد خرائط محدثة لمخاطر السيول الجبلية والصحراوية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، واتخاذ إجراءات إخلاء احترازية عند الحاجة، بما يعزز قدرة الجهات المعنية على التعامل مع موجات الأمطار والسيول.