اخر الاخبار

يسعى العراق إلى تعزيز حضوره على خريطة الاستثمار الخارجي، مستنداً إلى ما يمتلكه من فرص واسعة في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والبنى التحتية وغيرها، في وقت تكثف فيه الحكومة تحركاتها الخارجية للتعريف بالفرص الاستثمارية واستقطاب الشركات ورؤوس الأموال الأجنبية. غير أن الانتقال من توقيع مذكرات التفاهم والإعلان عن المشاريع إلى تنفيذها فعلياً، يصطدم بجملة من التحديات المرتبطة بالاستقرار الأمني والمالي، وفاعلية القوانين والإجراءات، والبيروقراطية وتداخل الصلاحيات، فضلاً عن صعوبة تنفيذ العقود وحسم المنازعات.

وبينما يرى مختصون أن العراق يمتلك مقومات وفرصاً كبيرة لجذب استثمارات نوعية، يؤكدون أن نجاح التوجه الحكومي يبقى مرهوناً بتهيئة بيئة استثمارية مستقرة وواضحة، وتحويل الفرص المعلنة إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ على أرض الواقع.

طموح كبير وتحديات أكبر

ويطرح العراق في المرحلة الحالية توجهاً واضحاً نحو جذب الاستثمارات الخارجية، مدفوعاً بالحاجة إلى تنويع الاقتصاد وتوسيع دور القطاع الخاص وتمويل مشاريع الطاقة والصناعة والبنى التحتية والنقل واللوجستيات وغيرها من القطاعات، في وقت تكثف فيه الحكومة تحركاتها الخارجية للتواصل مع الشركات والمؤسسات الدولية.

وقد برز ذلك في جولة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى فرنسا وألمانيا، وقبلها الى الولايات المتحدة حيث عُرضت أمام الشركات الأوروبية فرص استثمارية في قطاعات متعددة، بالتوازي مع توقيع مذكرات تفاهم وإعلانات نوايا وطرح مشاريع استراتيجية للشراكة.

غير أن التحدي الأساسي، بحسب مراقبين، لا يتعلق بقدرة العراق على الإعلان عن الفرص الاستثمارية، بقدر ما يرتبط بقدرته على توفير الشروط التي تجعل المستثمر قادراً على الانتقال من مرحلة الاهتمام والتفاوض إلى ضخ رأس المال وبدء المشروع.

وهذا ما يضع التوجه الحكومي أمام اختبار عملي، خصوصاً أن نجاح التحركات الخارجية لا يمكن قياسه بعدد اللقاءات أو مذكرات التفاهم، وإنما بمدى وصول المشاريع إلى مراحل الدراسة النهائية والإغلاق المالي والتنفيذ، وهو معيار أشار إليه المستشار المالي لرئيس الوزراء عند الحديث عن الزيارات الأوروبية.

وتتعدد التحديات التي تواجه هذه العملية، بدءاً من الوضع الأمني المتشابك والمعقد، وعدم استقرار البيئة الإقليمية، مروراً بالمعوقات القانونية والإدارية والبيروقراطية، وتعدد الجهات وتداخل الصلاحيات وعدم وضوح بعض الإجراءات، وصولاً إلى صعوبة تنفيذ العقود وحسم المنازعات التجارية وتفاوت تطبيق القواعد بين المؤسسات والمحافظات.

وبذلك، تبدو الحكومة أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد استقطاب الشركات إلى العراق؛ فنجاح سياسة جذب الاستثمار الخارجي يتطلب معالجة منظومة مترابطة من التحديات الأمنية والقانونية والإدارية والمالية وغيرها من الشروط.

قوانين غير مفعلة

لكن المستشار المالي لرئيس الوزراء، د. مظهر محمد صالح، كان قد اكد في تعليق سابق: ان البيئة الاستثمارية في العراق ما تزال تعاني من وجود قوانين غير مفعَّلة وراكدة داخل هيكل الاقتصاد، مبيناً أنها تشكل عاملاً طارداً للاستثمار وتحدُّ من فرص جذب الشركات الأجنبية.

وقال صالح، أنه سبق لمنظمات دولية أن قدمت تصوراتها في فترات سابقة، لمعالجة هذه الإشكاليات على وفق مفاصل تشريعية واضحة، لافتاً إلى أن تفعيل أو تعديل قانون واحد فقط داخل مجلس النواب، يمكن أن يُحدث فرقاً حقيقياً في واقع الأداء الاقتصادي.

وأكد أن إصلاح هذه القوانين من شأنه أن يحول العراق إلى سوق جاذبة للشركات الدولية المالكة للتكنولوجيا ورؤوس الأموال، مشدداً على أهمية الدور التشريعي لمجلس النواب في تهيئة بيئة مستقرة ومحفِّزة للاستثمار والتنمية الاقتصادية.

الاستثمار الاجنبي يبحث عن بيئة مستقرة

يقول الخبير المالي والمصرفي د. محمود داغر، ان الحديث عن جذب الاستثمارات الأجنبية في الظرف الراهن يبقى غير مجد وغير مقبول، في ظل تداخل التحديات الأمنية والمالية التي تواجه العراق، مشيراً إلى أن البيئة الاستثمارية تتأثر أيضاً بالتوترات القائمة مع بعض دول الجوار. ويضيف داغر لـ"طريق الشعب"، إن تراجع الإيرادات العامة وصعوبة خفض النفقات، إلى جانب الوضع الأمني، تجعل قضية تنفيذ مشاريع استثمارية جديدة أكثر تعقيداً.

ويتساءل داغر عن مصادر تمويل هذه المشاريع في ظل محدودية قدرة الحكومة على توفير التمويل، وصعوبة تحديد الجهات الخارجية القادرة على تمويل مشاريع استثمارية في مثل هذه الظروف.

ويعتقد أن الأولوية في المرحلة الحالية تتركز على معالجة الوضعين الأمني والمالي، وتهيئة ظروف اقتصادية تسمح للحكومة بالانتقال من إدارة النفقات الأساسية إلى خلق بيئة قادرة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية بصورة أكثر استدامة.

ويؤكد أن تحسن الاستقرار الأمني والمالي يمثل شرطاً أساسياً لعودة الاستثمار الأجنبي بصورة فاعلة إلى العراق.

فرص كبيرة ولكن..؟

من جانبه، يقول الباحث في الشأن الاقتصادي علي دعدوش ان العراق يمتلك فرصاً استثمارية كبيرة، إلا أن التحدي الأساسي يتمثل في كيفية تحويل هذه الفرص إلى مشاريع منفذة على أرض الواقع، في ظل استمرار مجموعة من المعوقات التي تؤثر في بيئة الأعمال، بينها البيروقراطية والفساد وعدم وضوح الإجراءات وآليات تسوية المنازعات، إلى جانب العامل الأمني.

ويضيف دعدوش في حديثه مع "طريق الشعب"، أن محدودية التمويل المصرفي وطبيعة الاقتصاد النقدي في العراق تسهمان في رفع كلفة دخول المستثمرين إلى السوق، مشيراً إلى أن تقريراً دولياً سابقاً صنّف العراق بالمرتبة 186 من أصل 190 اقتصاداً في مؤشر الحصول على الائتمان.

ويشير الى أن من أبرز الثغرات التي تحتاج إلى معالجة هي تعدد الجهات وتداخل الصلاحيات، وعدم وضوح بعض إجراءات الاستثمار وتنفيذ العقود، وبطء حسم المنازعات التجارية، فضلاً عن تفاوت تطبيق القواعد بين المؤسسات والمحافظات، إلى جانب البيروقراطية والفساد والحاجة إلى إطار أكثر وضوحاً لتنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

ويؤكد دعدوش أن المطلوب لا يقتصر على الإعلان عن الفرص الاستثمارية، وإنما تجهيز مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ، من خلال توفير الأرض والتراخيص والعقود الواضحة والضمانات ومصادر التمويل، إلى جانب وضع آليات سريعة وفاعلة لفض النزاعات.

ويشير إلى وجود تطور قانوني في هذا المجال يتمثل بانضمام العراق إلى اتفاقية نيويورك للتحكيم وتوقيعه اتفاقية سنغافورة للوساطة في عام 2024، مبيناً أن التحدي يتمثل في تحويل هذه الأطر القانونية إلى ممارسات عملية تعزز ثقة المستثمرين.

ويبيّن أن تحسين البيئة الأمنية والقانونية والتمويلية يمكن أن يفتح المجال أمام جذب استثمارات حقيقية في قطاعات متعددة، من بينها الغاز والصناعات البتروكيميائية والطاقة والكهرباء والنقل واللوجستيات والصناعات الغذائية والدوائية والزراعة والسياحة، لافتاً إلى أن المستثمر يبحث في النهاية عن بيئة تجمع بين الاستقرار الأمني والقانوني، والعائد الاقتصادي، وإمكانية تحويل الأرباح، والقدرة الفعلية على تنفيذ العقود.