علاقات بغداد ـ واشنطن بعد 30 أيلول
نشر موقع Oilprice مقالاً للكاتب جيمس دورسو حول العلاقات العراقية الأمريكية بعد الثلاثين من أيلول، الموعد النهائي لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، ذكر فيه أن واشنطن ستظل محتفظة بنفوذها في هذا البلد، رغم أن عليها ممارسة هذا النفوذ بأسلوب مختلف. وربما سيشكل الانتقال من مرحلة "السيطرة" إلى مرحلة "التأثير" تحدياً لا يُستهان به بالنسبة إليها.
فعلى مدى عقدين من الزمن، منح الوجود العسكري واشنطن قدرة استثنائية على ممارسة الضغط والتأثير في العراق. ومع رحيل القوات الأمريكية، ستتضاءل هذه القدرة، لكن الولايات المتحدة ستحتفظ بأدوات قوة مهمة، تشمل النظام المالي القائم على الدولار الأمريكي، والعقوبات، ومبيعات الأسلحة، والتعاون الاستخباراتي، والنفوذ الدبلوماسي، والاستثمارات، والتكنولوجيا، وإمكانية الوصول إلى الأسواق الغربية.
هل ستنجح هذه الأدوات؟
وتساءل الكاتب عما إذا كانت واشنطن مستعدة لاستخدام كل هذه الأدوات للتأثير في الخيارات العراقية، أم إنها ستحاول توظيفها لفرض سيطرتها على بغداد، مرجحاًً فشل خيار السيطرة، ومفضلاً أن تتسم العلاقة ما بعد الانسحاب بطابع استراتيجي شامل، بعيداً عن التركيز المفرط على الجوانب الأمنية.، إذ يمكن لواشنطن مواصلة تقديم المساعدات الدفاعية والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، ولا سيما التصدي لأي عودة محتملة للإرهاب.
وبسبب حاجة العراق إلى التكنولوجيا والاستثمارات الأمريكية والغربية في قطاعات الطاقة والكهرباء والبنية التحتية والخدمات المصرفية والنقل وغيرها، رأى الكاتب أن على واشنطن التركيز على الجانب الاقتصادي بديلاً عن الوجود العسكري. وما يساعدها على ذلك "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" المبرمة بين البلدين عام 2008، ولا سيما بنودها المتعلقة بالتعاون في المجالات الدفاعية والدبلوماسية والطاقة والتعليم وغيرها من جهة، وارتباط عائدات النفط العراقية ارتباطاً وثيقاً بالنظام المالي الدولي القائم على الدولار من جهة أخرى.
ورأى الكاتب أن الأمر الأخير يمنح واشنطن أداة قوية لما بعد مرحلة الانسحاب؛ إذ يمكنها تقييد الوصول إلى النظام المالي الدولي، وفرض عقوبات على بنوك وأفراد، وممارسة الضغط على المؤسسات العراقية لمنع غسل الأموال والالتفاف على العقوبات وتمويل الميليشيات، دون أن تتمكن بغداد من البحث عن بدائل للدولار، لأن عائدات النفط تبقى ملكاً للعراق، لكن وصوله إلى النظام المالي الدولي ستتحكم به واشنطن.
مشروع حصر السلاح
وتحدث الكاتب عن المطالبة الأمريكية بإخضاع جميع التشكيلات المسلحة للحكومة المدنية وللتسلسل القيادي العسكري، وهي مهمة ينبغي أن تُجرى بحذر شديد؛ فالعديد من هذه الفصائل تمتلك أحزاباً سياسية، وتمثيلاً برلمانياً، ومصالح تجارية، وشبكات اجتماعية، كما أن بعضها يُعد جزءاً رسمياً من الهيكل الأمني العراقي.
ومحاولة حلها دفعة واحدة قد تشعل حرباً أهلية، وتؤدي إلى تشرذم سياسي وتدهور اقتصادي وتدخل خارجي. ولهذا، رأى الكاتب أن هذه المهمة ينبغي أن تُترك لبغداد، فهي التي يمكنها تحديد الوتيرة وآليات التنفيذ، بعد أن يتفق البلدان على أن بسط سيطرة الدولة حقيقي ولا رجعة فيه، وأن يستفيدا من دروس العواقب العنيفة للقرار الأمريكي المتهور عام 2003 بحل الجيش العراقي فجأة.
شروط نجاح المشروع
وعلى ضوء تجارب عالمية حدثت في إيرلندا والبوسنة، مثلاً، حدد الكاتب ثلاثة شروط لنجاح المشروع: دولة قوية، وحوافز سياسية واقتصادية، ونزع سلاح طوعي، معرباً عن اعتقاده بافتقار العراق إلى هذه الشروط جميعها في الوقت الحاضر.
ونصح الكاتب واشنطن بتجنب مطالبة العراق بالاختيار بين الولايات المتحدة وإيران؛ فالموقع الجغرافي للعراق وتاريخه وروابطه الدينية وعلاقاته الاقتصادية تجعل من قيام علاقة جوهرية مع إيران أمراً حتمياً.
كما أن العراق لا يتحمل مزيداً من الاضطرابات الاقتصادية، في ظل تعافيه المستمر من آثار ثلاث حروب وعقود من العقوبات الاقتصادية. ولهذا، فإن الإدارة الأمريكية الناضجة ستتقبل، في تصوره، قدراً من النفوذ الإيراني، شريطة ألا يشمل ذلك القوات المسلحة العراقية أو الحدود أو شبكات التمويل غير المشروعة.
واختتم الكاتب مقاله بالتذكير بأن الولايات المتحدة، التي تمتلك أوراق ضغط هائلة على العراق، ينبغي أن تكون قد تعلمت شيئاً من مغامرتها التي استمرت ثلاثة عقود في بلاد الرافدين؛ فالسيطرة على هذا البلد تبدو سهلة قولاً، لكنها صعبة للغاية في الواقع.