سجّلت المحاكم العراقية، أخيرا، أكثر من خمسة آلاف حالة طلاق خلال شهر آب الماضي، مقابل أكثر من 21 ألف عقد زواج، بحسب إحصائية أعلنها مجلس القضاء الأعلى، في أرقام تعيد ملف التفكك الأسري إلى واجهة النقاش الاجتماعي، وسط تحذيرات من تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وقانونية في ارتفاع حالات الانفصال.
ويشير مختصون وناشطون إلى أن قراءة أرقام الطلاق لا ينبغي أن تتوقف عند عدد الحالات المسجلة، بل تتطلب البحث في أسبابها وما يترتب عليها من آثار تطال النساء والأطفال، ولا سيما في ظل الضغوط المعيشية والعنف الأسري والتدخلات العائلية والتحديات القانونية التي تواجه الأسرة بعد الانفصال.
بغداد في الصدارة
وكشف مجلس القضاء الأعلى إحصائية عقود الزواج وحالات الطلاق المسجلة في المحاكم العراقية خلال شهر آب، ووفقاً للأرقام بلغ مجموع عقود الزواج في عموم البلاد 21,133 عقداً، مقابل تسجيل 5,775 حالة طلاق.
وبيّن الجدول الإحصائي الذي اطلعت عليه «طريق الشعب»، أن بغداد جاءت في صدارة المحافظات من حيث عدد عقود الزواج، بمجموع 5,019 عقداً و2,237 حالة طلاق في جانبيها الرصافة والكرخ. وسجلت محاكم استئناف بغداد/الرصافة 2,680 عقد زواج و1,124 حالة طلاق، فيما سجلت استئناف بغداد/الكرخ 2,339 عقد زواج و1,113 حالة طلاق.
وحلّت محافظة نينوى في المرتبة الثانية من حيث عدد عقود الزواج بين المحافظات، بواقع 3,365 عقداً و645 حالة طلاق، تلتها البصرة بـ1,599 عقد زواج و509 حالات طلاق، ثم الأنبار بـ1,553 عقداً و307 حالات طلاق. فيما جاءت المثنى في ذيل القائمة من حيث عدد عقود الزواج، مسجلة 469 عقداً و109 حالات طلاق.
زواج القاصرات
وترى رئيسة منظمة الإلهام للأرامل والأيتام، إلهام قدوري، أن ارتفاع حالات الطلاق يرتبط بمجموعة من الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، في مقدمتها زواج القاصرات، الذي يؤدي في كثير من الحالات إلى عدم التكافؤ في الأعمار، وما يرافق ذلك من تفاوت في النضج والتوافق الفكري بين الزوجين.
وتضيف قدوري لـ«طريق الشعب»، أن الاستخدام السيئ للهواتف المحمولة والعلاقات غير الشرعية التي قد تنشأ عنه، يمثلان سبباً آخر لتفاقم الخلافات الزوجية وانتهاء العلاقة بالطلاق.
وتشير إلى أن البطالة وعدم قدرة الزوج على توفير متطلبات المعيشة يمثلان عاملاً آخر في زيادة الخلافات داخل الأسرة، مبينة أن بعض الأزواج يدخلون الحياة الزوجية من دون امتلاك القدرة الاقتصادية الكافية لتوفير المستوى المعيشي الذي اعتادت عليه الزوجة في منزل أسرتها، ما ينعكس على طبيعة العلاقة بين الطرفين.
وترى قدوري أن العوامل المرتبطة بتعديلات قانون الأحوال الشخصية، وما قد يرافقها من انتقال في المرجعيات المذهبية، تعد أيضاً من القضايا التي تراها مرتبطة بزيادة حالات الطلاق.
ضغوط اقتصادية وعنف أسري
وتعلّق الناشطة النسوية براء محمود على أرقام الطلاق، بالقول إن «تسجيل أكثر من 5 آلاف حالة طلاق خلال شهر واحد يؤكد وجود مشكلة اجتماعية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أرقام، لأن كل حالة طلاق تعني أسرة تدخل في مرحلة جديدة من الضغوط، وغالباً ما تكون النساء والأطفال الطرف الأكثر تأثراً بتبعاتها».
وتوضح محمود لـ«طريق الشعب»، أن أسباب الطلاق متعددة ومتشابكة، ولا يمكن اختزالها في الخلافات الزوجية وحدها، إذ تتداخل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب العنف الأسري والتدخلات العائلية وضعف الوعي بالحقوق والواجبات وغياب ثقافة الحوار داخل الأسرة.
وتبيّن أن «بعض النساء يجدن أنفسهن أمام خيار صعب بين الاستمرار في علاقة مؤذية أو اللجوء إلى الطلاق، مع ما يرافق ذلك من مخاوف تتعلق بالمستقبل الاقتصادي والاجتماعي وحضانة الأطفال، خاصة مع التعديلات الجديدة لقانون الأحوال الشخصية».
وتشير إلى أن المرأة بعد الطلاق لا تبدأ حياتها من نقطة الصفر، بل قد تواجه سلسلة من التحديات تبدأ بتأمين السكن والدخل وتحصيل النفقة، ولا تنتهي عند الوصمة الاجتماعية والنظرة السلبية إلى المرأة المطلقة. وفي بعض الحالات، يتحول ضعف الاستقلال الاقتصادي إلى عامل يحد من قدرة المرأة على اتخاذ قرارها أو الخروج من علاقة عنيفة.
وتضيف أن الأطفال يتحملون أيضاً جانباً من تبعات النزاعات الأسرية، خصوصاً عندما يتحول الطلاق إلى صراع مستمر بين الوالدين حول الحضانة أو النفقة أو الزيارة، ما يجعل معالجة الظاهرة بحاجة إلى مقاربة تتجاوز تسجيل حالات الطلاق، لمتابعة ما يحدث للأسرة والمرأة والطفل بعد الانفصال.
وتؤكد محمود أن الحد من ارتفاع الطلاق لا يكون بالضغط على النساء للبقاء في زيجات غير آمنة، وإنما بمعالجة الأسباب التي تدفع إلى الانفصال، وتعزيز الوقاية من العنف الأسري، وتوفير الإرشاد الأسري والقانوني، وضمان وصول النساء إلى حقوقهن، وبناء سياسات اجتماعية واقتصادية تخفف الضغوط التي تواجه الأسر العراقية.
ما بعد تسجيل الطلاق
من جانبها، تذكر الناشطة الحقوقية مرح إياد أن قراءة أرقام الطلاق لا ينبغي أن تقتصر على ارتفاع الحالات أو انخفاضها، بل يجب النظر إلى ما يجري داخل منظومة العدالة الأسرية ومدى قدرة النساء على الوصول إلى حقوقهن القانونية خلال مراحل الزواج والانفصال.
وتبيّن أن تسجيل آلاف الحالات خلال شهر واحد يستدعي متابعة أوضاع النساء والأطفال الذين تترتب عليهم آثار قانونية واجتماعية بعد صدور أحكام الطلاق.
وتضيف إياد لـ«طريق الشعب»، أن إحدى الإشكالات الأساسية تتمثل في تفاوت قدرة النساء على معرفة حقوقهن والإجراءات القانونية التي يمكن لهن اتباعها، إلى جانب طول أمد النزاعات المتعلقة بالحقوق المترتبة على الطلاق، الأمر الذي يجعل الحاجة قائمة إلى خدمات قانونية متخصصة وسهلة الوصول، خصوصاً للنساء اللواتي لا يمتلكن القدرة على تحمل تكاليف التقاضي.
وتشير إلى أن التعديلات المرتبطة بقانون الأحوال الشخصية تجعل النقاش حول الطلاق مرتبطاً أيضاً بمستقبل الحقوق القانونية للمرأة والطفل، ولا سيما أن آثار الانفصال لا تنتهي بمجرد تسجيل الطلاق، بل تمتد إلى مسائل الحضانة والنفقة والسكن والإرث والوثائق الرسمية للأطفال. وبالتالي، فإن أي تغيير تشريعي ينبغي أن يكون واضحاً في تحديد هذه الحقوق وآليات حمايتها.
وتوضح إياد أن التعامل مع ملف الطلاق يحتاج كذلك إلى بيانات أكثر تفصيلاً من مجرد العدد الشهري للحالات، مثل أعمار الزوجين، ومدة الزواج، ووجود أطفال، وأسباب الانفصال، ونوع الدعاوى، والحقوق التي بقيت عالقة بعد الطلاق، مبينة أن توفر هذه البيانات يساعد الجهات المعنية على فهم الظاهرة ووضع سياسات تستند إلى واقع اجتماعي وقانوني واضح.
وتؤكد أن حماية الأسرة لا تعني الحفاظ على الزواج بصورته الشكلية، وإنما ضمان أن يتم الزواج والانفصال ضمن إطار قانوني يحفظ كرامة الأطراف وحقوقهم، مع توفير ضمانات خاصة للأطفال باعتبارهم الطرف الذي قد يستمر تأثره بالنزاع حتى بعد انتهاء العلاقة بين الوالدين.