خلف أبواب المستشفيات والمراكز الصحية، لا تنتهي مخاطر النفايات الطبية عند مغادرة المريض أو انتهاء العلاج، فالأدوات الحادة والمواد الملوثة، والمحاليل الكيميائية والأدوية المنتهية الصلاحية، تتحول إلى مصدر خطر على الإنسان والبيئة عندما لا تخضع لعمليات فرز ونقل ومعالجة وفق المعايير البيئية والصحية.
تقرير الرقابة المالية
يؤشر مرصد العراق الأخضر للبيئة، تجاوزات ومخاطر صحية وبيئية جسيمة تتمثل في رمي الأدوية والمعقمات ومواد غسيل الكلى (الديلزة) مباشرة في شبكات المجاري، ما يتسبب بتلوث مياه الأنهار بالمسببات المرضية والسموم، ويسهم في تسريع انتشار الأوبئة، إلى جانب خلط الأدوية التالفة بالنفايات الاعتيادية.
وينقل المرصد عن التقرير السنوي لديوان الرقابة المالية الاتحادي أن آلية عمل لجنة إتلاف الأدوية والمستلزمات الطبية في القطاع الخاص تنص على ضرورة معالجة الأدوية الخطرة والمعدية، بمختلف أشكالها الصيدلانية، بما فيها الحبوب والكبسولات والأمبولات والعبوات الزجاجية والبلاستيكية، عبر أجهزة التعقيم والفرم المعتمدة (Shredding Autoclave) داخل المنشآت، للتخلص منها بصورة آمنة.
ويؤكد التقرير الرقابي عدم وجود محارق نظامية متكاملة، إلى جانب توقف «المثرمة» المخصصة للإتلاف، ما يدفع لجان الإتلاف الساندة إلى طحن الأدوية وحدلها باستخدام الآليات الثقيلة «الشفل» لعدة مرات، ومن ثم نقلها إلى مناطق الطمر الصحي وخلطها مع النفايات الاعتيادية، الأمر الذي يشكل تهديداً صحياً للعاملين والمواطنين في تلك المناطق.
ويشر التقرير إلى أن رمي المعقمات ومواد غسيل الكلى في شبكات الصرف الصحي يعد مخالفة صريحة لأحكام قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009، الذي يحظر تصريف أي مخلفات سائلة منزلية أو صناعية أو خدمية إلى الموارد المائية السطحية والجوفية من دون إخضاعها للمعالجة اللازمة وفق المعايير البيئية المعتمدة.
ويحذر عضو المرصد عمر عبد اللطيف، من المخاطر البيئية والصحية الناجمة عن محارق النفايات الطبية في المستشفيات، مشيراً إلى أن تقادم عدد منها وتجاوزها العمر التشغيلي، إلى جانب غياب الفلاتر والمعدات الحديثة في كثير منها، فضلاً عن التشغيل العشوائي بالقرب من المناطق السكنية، يزيد من خطورة انبعاثاتها.
محارق النفايات الطبية
ويقول عبد اللطيف لـ«طريق الشعب»، إن «محارق النفايات الطبية غير السليمة تعد من أخطر مصادر تلوث الهواء في العراق، ولا سيما نتيجة عمليات الحرق غير المكتملة، التي تؤدي إلى انبعاث غازات ومواد شديدة الخطورة».
ويضيف أن «من أبرز الملوثات الناتجة عن هذه العمليات غازا الديوكسين والفيوران، اللذان ينبعثان بكثافة عند حرق المواد البلاستيكية والأكياس التي تحتوي على الكلور، مثل بعض أكياس الدم والمغذيات»، مبيناً أن هذه المواد مصنفة دولياً ضمن المواد المسرطنة، ويمكن أن تؤثر في صحة الإنسان والبيئة.
ويتابع أن المحارق تنتج أيضاً «غازات حمضية وسامة، مثل أكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت وأول أكسيد الكربون، فضلاً عن المعادن الثقيلة، كالزئبق والرصاص والكادميوم، التي يمكن أن تتصاعد مع الأدخنة عند حرق بعض الأدوات والمستلزمات الطبية التي تحتوي عليها».
ويشير عبد اللطيف إلى أن الأضرار لا تقتصر على تلوث الهواء، بل تشمل كذلك «الروائح الكريهة والتلوث البصري، فضلاً عن احتمال تلوث التربة والمياه الجوفية بالرماد السام»، مؤكداً أن الحرق غير المكتمل للنفايات الطبية يمثل تهديداً بيولوجياً وبيئياً يستدعي معالجة آليات جمع النفايات ونقلها وحرقها والتخلص من مخلفاتها وفق المعايير البيئية والصحية.
طرق التخلص من النفايات
فيما يرى الدكتور الاستشاري محمد خضر الجبوري، خبير البيئة والمناخ، أن «النفايات الطبية تمثل أحد التحديات البيئية والصحية المتنامية في العراق»، محذراً من أن التعامل غير السليم معها قد يترك آثاراً تمتد من داخل المؤسسات الصحية إلى الهواء والماء والتربة.
ويقول الجبوري لـ«طريق الشعب»، إن النفايات الطبية تختلف عن النفايات المنزلية الاعتيادية لما تحتويه من مواد قد تكون ملوثة بيولوجياً أو كيميائياً، موضحاً أن الأدوات الحادة والمواد الملوثة بالدم وسوائل الجسم يمكن أن تشكل خطراً مباشراً على العاملين في المؤسسات الصحية وعمال النظافة وغيرهم، ولا سيما عند غياب إجراءات الفرز والتعامل الآمن.
ويشير إلى أن التخلص غير السليم من هذه النفايات قد يؤدي إلى انتقال أمراض معدية، فضلاً عن تلوث عناصر البيئة، لافتاً إلى أن حرقها بطرق غير ملائمة قد ينتج عنه انبعاث مواد سامة، من بينها الديوكسينات والفورانات، فيما قد يؤدي دفن بعض النفايات من دون معالجة إلى تسرب المواد الكيميائية والمعادن الثقيلة إلى التربة والمياه الجوفية.
ولا تتوقف المشكلة، بحسب الجبوري، عند طريقة التخلص من النفايات، بل تبدأ في بعض الأحيان من داخل المؤسسة الصحية نفسها، مع غياب نظام فعال لفرز النفايات من مصدرها. ويوضح أن بعض المستشفيات قد تشهد خلط النفايات الطبية مع النفايات الأخرى، فيما تتم عمليات النقل أحياناً من دون وسائل أمان كافية، الأمر الذي يزيد من احتمالات تعرض العاملين والمجتمع للمخاطر.
ويضيف أن المحارق الطبية تمثل جانباً آخر من المشكلة، إذ إن استخدام محارق بدائية أو غير مطابقة للمعايير المطلوبة قد يؤدي إلى انبعاث غازات ومركبات ضارة، خصوصاً عند عدم الوصول إلى درجات الحرارة المناسبة أو عدم توفر أنظمة للسيطرة على الانبعاثات.
وتنعكس هذه الممارسات على البيئة المحيطة بالمؤسسات الصحية ومواقع التخلص من النفايات، إذ يمكن للانبعاثات الناتجة عن الحرق غير السليم أن تؤثر في نوعية الهواء، بينما قد تؤدي النفايات المدفونة أو المتروكة بصورة عشوائية إلى تلوث التربة والمياه، بما ينعكس لاحقاً على الزراعة والثروة الحيوانية وسلامة الموارد الطبيعية.
ويرى الجبوري أن العاملين في المؤسسات الصحية وعمال النظافة من أكثر الفئات تعرضاً للمخاطر، نتيجة التعامل المباشر مع النفايات، فيما قد تمتد الآثار إلى السكان القريبين من مواقع الحرق أو الطمر، خصوصاً في حال عدم الالتزام بالضوابط الخاصة بالنقل والمعالجة والتخلص النهائي.
أسباب تفاقم المشكلة
ويعزو تفاقم المشكلة إلى مجموعة عوامل، في مقدمتها ضعف البنية التحتية، ونقص تقنيات المعالجة الحديثة، وقلة الموارد المالية، إلى جانب محدودية الرقابة والتدريب. كما يشير إلى أن الظروف الأمنية والسياسية التي مر بها العراق خلال السنوات الماضية أثرت في تطوير منظومات متكاملة لإدارة النفايات، فيما ساهم ضعف الوعي لدى بعض العاملين في المؤسسات الصحية في زيادة المخاطر.
وعلى الرغم من وجود تشريعات وضوابط تنظم التعامل مع النفايات الطبية، يرى الجبوري أن التحدي الأساسي يكمن في مستوى التطبيق والرقابة، مؤكداً أن وجود التشريع لا يكفي ما لم ترافقه متابعة ميدانية ومحاسبة للجهات المخالفة، فضلاً عن توفير الإمكانات اللازمة للمؤسسات الصحية.
وفي السنوات الأخيرة، شهد هذا الملف محاولات لتحسين آليات إدارة النفايات الطبية من خلال مشاريع نفذتها وزارة الصحة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تضمنت تجهيز عدد من المؤسسات الصحية بأجهزة تعقيم ومعالجة، بجانب تنفيذ برامج للتوعية والتدريب على الفرز والتعامل الآمن مع النفايات الخطرة. إلا أن الجبوري يرى أن هذه الجهود ما زالت بحاجة إلى توسيع لتشمل مختلف المحافظات وتوفير دعم تقني ومالي أكبر.
ولا يرى أن معالجة المشكلة تبدأ من المحارق، بل من الخطوة الأولى داخل المستشفى، أي الفرز من المصدر، بحيث يجري فصل النفايات بحسب طبيعتها، واستخدام أكياس وحاويات مخصصة لكل نوع، مع تدريب الكوادر الطبية والفنية وعمال النظافة على طرق التعامل والنقل والتخزين الآمن.
كما يدعو إلى تطوير وسائل المعالجة والحد من الاعتماد على الحرق غير المنضبط، والاستفادة من تقنيات التعقيم والمعالجة المناسبة، بالتزامن مع تشديد الرقابة البيئية على المستشفيات والمراكز الصحية، وضمان التزام المحارق بالمحددات البيئية الخاصة بالانبعاثات والمواقع.
الحرق ليس حلا
من جهته، يذكر يثرب محمد، طبيب يعمل في أحد مستشفيات محافظة صلاح الدين، أن النفايات الطبية لا تنتهي خطورتها بمجرد إخراجها من المؤسسات الصحية، بل إن طريقة جمعها ونقلها ومعالجتها تحدد حجم المخاطر التي يمكن أن تتركها على العاملين والمرضى والمجتمع.
ويقول محمد لـ«طريق الشعب» إن النفايات الطبية تضم الإبر والمحاقن والقفازات والضمادات، والأدوية المنتهية الصلاحية والمواد الكيميائية المستخدمة في العلاج، وهي مواد قد تحمل ملوثات ومسببات للأمراض، الأمر الذي يجعل التعامل معها مختلفاً عن النفايات الاعتيادية، ويستوجب فرزها وخزنها ونقلها بوسائل آمنة.
ويضيف أن خطورة المشكلة تظهر بصورة أوضح عندما تكون وسائل المعالجة قديمة أو غير مؤهلة للتعامل مع حجم النفايات المتولدة، مستشهداً بما يحدث في الديوانية، قائلاً: «ليس بعيداً من مستشفى الديوانية، الذي بُني في ثمانينيات القرن الماضي، تتم معالجة النفايات الطبية من خلال محرقة متهالكة تعود إلى تاريخ بناء المستشفى نفسه».
ويشير إلى أن وجود النفايات الطبية في مناطق مكتظة بالسكان يضاعف من خطورتها، خصوصاً أن «شارع الأطباء يقع في قلب مدينة الديوانية التي يقطنها نحو مليون وربع المليون نسمة»، بحسب ما يذكر، مبيناً أن المشكلة لا تتعلق فقط بطريقة التخلص من النفايات، وإنما بغياب منظومة متكاملة تبدأ من فرزها داخل المستشفى وتنتهي بمعالجتها والتخلص منها وفق الضوابط الصحية والبيئية.
ويلفت محمد إلى أن الحرق لا يمكن اعتماده حلاً لجميع أنواع المخلفات الطبية، موضحاً أن بعض المواد التي تحتوي على الكلور والرصاص والزئبق والكادميوم قد يؤدي حرقها إلى إطلاق غازات ومركبات سامة في الهواء، لذلك ينبغي تصنيف النفايات بحسب طبيعتها وخطورتها، واختيار طريقة المعالجة المناسبة لكل نوع.
ويؤكد أن استمرار استخدام وسائل قديمة أو غير ملائمة، بجانب الحرق المكشوف والطمر العشوائي، يزيد من احتمالات تعرض العاملين والمواطنين للمواد الخطرة، مشدداً على ضرورة توفير محارق مطابقة للمواصفات أو تقنيات حديثة لمعالجة النفايات، مع تأمين حاويات خاصة ووسائل نقل آمنة وتدريب الكوادر الصحية والعاملين على إجراءات الفرز والتعامل معها.
ويشير إلى أن الإحصاءات المتعلقة بالكميات اليومية للنفايات الطبية في العراق ما زالت غير دقيقة، إلا أن دراسة عراقية قدرت حجم النفايات غير المعالجة في بغداد بنحو نصف كيلوغرام لكل سرير يومياً، فيما تشكل النفايات الخطرة نحو 15 في المائة من إجمالي المخلفات الطبية، وهو ما يعكس، بحسب محمد، الحاجة إلى بيانات دقيقة ومنظومة أكثر كفاءة لإدارة هذا النوع من النفايات.