يدخل ملف حصر السلاح بيد الدولة، مرحلة شديدة الحساسية، مع اقتراب 30 أيلول، الموعد المعلن لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، في وقت لم تعد فيه الصورة واضحة بشأن المدى الزمني والإجراءات العملية التي ستتبعها الحكومة لحسم ملف السلاح.
وبينما تؤكد الحكومة أن هذا الموعد يمثل استحقاقاً سيادياً وأن مسار إنهاء مهمة التحالف لن يتغير، نفى مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأمنية قاسم الأعرجي وجود سقف زمني محدد لأعمال اللجنة المكلفة بحصر السلاح.
وفي المقابل، تحدثت مصادر سياسية عن إبلاغ بغداد واشنطن بأن حصر السلاح سيحتاج إلى وقت، في حين ظهر موقف أكثر تحديداً من داخل هيئة الحشد الشعبي، عندما أعلن مدير إعلامها الحربي مهند العقابي أن أسلحة الفصائل لن تسلّم إلى الحكومة، وإنما ستتم إعادة تنظيمها.
ويأتي ذلك بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما يرتقب أن تشهده الزيارة من مباحثات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولين دوليين، في وقت يتداخل فيه الملف العراقي مع التطورات الأمنية والإقليمية والعلاقة مع الولايات المتحدة وإيران.
30 أيلول.. استحقاق سيادي
المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي قال إن 30 أيلول يمثل «استحقاقاً سيادياً»، وأن الحكومة ماضية في استكمال إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي وفق التوقيتات والآليات المتفق عليها، مشدداً على أن هذا المسار لن يطرأ عليه تغيير خارج إرادة الدولة.
وربط العبودي بين إنهاء مهمة التحالف وبين انتقال العراق إلى مرحلة جديدة تتعزز فيها سلطة الدولة وتوحيد القرار الأمني وحصر أدوات القوة بيد المؤسسات الدستورية والقانونية.
لكن هذا الموعد لا يبدو، وفق المواقف الرسمية الأخيرة، موعداً نهائياً لإنجاز عملية حصر السلاح نفسها.
ففي 18 أيلول، نفى الأعرجي وجود مدة محددة لأعمال لجنة حصر السلاح، مؤكداً أن ما تردد عن تحديد سقف زمني لإنجاز المهمة «غير صحيح إطلاقاً».
وقال إن اللجنة المشكلة من قبل الإطار التنسيقي تعمل بإشراف مباشر من رئيس الوزراء، وإن من يحمل السلاح بصورة غير شرعية بعد اكتمال عملية الحصر، سيعامل وفق القانون.
التصريح اثار نوعا من اللغط وهو ما دعا رئيس الوزراء الى منع المستشارين من الظهور الإعلامي الا بعد الحصول على الموافقات الرسمية، وهو ما فهم كنوع من تجنب التصعيد مع الفصائل.
تنظيم السلاح
وفي أكثر المواقف وضوحاً خلال الساعات الأخيرة، قال مدير الإعلام الحربي في هيئة الحشد الشعبي مهند العقابي، إن أسلحة الفصائل المسلحة لن تسلّم إلى الحكومة العراقية، وإنما ستتم «إعادة تنظيمها»، معرباً عن دعم الفصائل لهذه العملية لمنع الفوضى أو التجاوزات.
ويمثل هذا التصريح نقطة مركزية في الجدل الحالي، إذ يضع مصطلحي «حصر السلاح» و«إعادة التنظيم» أمام اختبار عملي: هل المقصود نقل السيطرة الفعلية على السلاح وقرار استخدامه إلى مؤسسات الدولة، أم إبقاء البنية المسلحة مع إخضاع إدارتها وإشرافها للحكومة؟
الحكومة ماضية في تنظيم السلاح
وبشأن آخر التطورات، قال الخبير الأمني فاضل أبو رغيف إن الحكومة ماضية في ملف تنظيم السلاح وإدارته من قبل الدولة.
وأضاف في تعليق لـ«طريق الشعب»، أن إجراءات تنظيم السلاح ستبدأ في الأول من تشرين الأول المقبل، فيما لم تتضح حتى الآن المدة التي ستستغرقها العملية.
وبشأن الأنباء المتداولة عن تأجيل تنظيم السلاح أو الانسحاب الأميركي، استبعد أبو رغيف وجود أي تأجيل، مرجحاً أن يتم الانسحاب الأميركي في الثلاثين من أيلول الجاري، بالتزامن مع المضي في إجراءات تنظيم السلاح.
وفي ما يتعلق بزيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، أشار إلى أنها تأتي استكمالاً للزيارات السابقة، مبيناً أن الزيارة ستتضمن تقديم تطمينات للجانب الأميركي بشأن الحوار الذي أجرته الحكومة مع الفصائل واستعدادها لتنظيم السلاح وإعادة هيكلته ووضعه في مخازن هيئة الحشد الشعبي.
وأكد أبو رغيف أن هناك تفاهمات بين الحكومة والفصائل بشأن هذا الملف، وأن الأمور تمضي بسلاسة من دون موانع أو عوارض.
لم يُحسم شيء بصورة واضحة
من جانبه، المح اللواء الركن المتقاعد عماد علو في حديثه مع «طريق الشعب»، إلى وجود مؤشرات بشأن تمديد الموعد النهائي لتنظيم السلاح إلى حزيران المقبل من عام 2027، إلا أن هذا الأمر لم يصدر بشأنه حتى الآن موقف واضح من الحكومة، سواء بشأن التمديد أو الإجراءات والخطوات العملية التي ستتبع المرحلة التي تلي 30 أيلول الجاري.
وأوضح أن من بين الملفات التي تحتاج إلى حسم تحديد أنواع الأسلحة التي سيشملها التنظيم، وأماكن تخزينها، والجهات التي ستتولى تسليمها، فضلاً عن الضمانات المتعلقة بعناصر الفصائل وترتيبات أوضاعهم، وطبيعة القوانين والتشريعات التي قد تصدر بشأن هذه المسألة، بما يبعث برسائل إلى دول الجوار والداخل العراقي بشأن قدرة الحكومة على فرض هيبتها واحتكار القوة المسلحة.
وفي ما يتعلق بالانسحاب الأميركي، قال علو إن تأجيل موعد تنظيم السلاح، في حال تأكده، لا يعني بالضرورة تأجيل الانسحاب الأميركي، مبيناً أن الانسحاب مرتبط بموعد متفق عليه ومعلن من الجانب الأميركي، ولا يزال يتم بصورة منظمة وفق جدول وضعته القيادة العسكرية الأميركية في المنطقة.
وأضاف أن القوات الأمريكية تنسحب بصورة يومية ومنظمة، مع إمكانية انتقالها إلى مواقع وقواعد في دول ومناطق قريبة من العراق، بينها سوريا والأردن والكويت، مؤكداً أن ذلك لا يعني انتهاء قدرة الولايات المتحدة على التحرك أو التأثير في الأجواء والأراضي العراقية، بحكم وجود قواتها في مواقع قريبة من الحدود العراقية.
وبشأن زيارة الزيدي إلى واشنطن أوضح علو أن ملف تنظيم السلاح سيكون موضع بحث مباشر بين الجانبين، مشيراً إلى إمكانية أن يضع رئيس الوزراء الجانب الأميركي في صورة الخطوات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة العراقية، فضلاً عن طبيعة التداعيات المرتبطة بالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيراته في الداخل العراقي.
ووصف علو الزيارة بأنها مهمة ومطلوبة في هذه الظروف، ولا سيما مع اقتراب الحكومة العراقية من إجراءات تنظيم السلاح بيد الدولة، وما يرتبط بذلك من إعلان 30 أيلول موعداً للسيادة العراقية.
وحول المخاطر المحتملة خلال المرحلة المقبلة، قال علو إن خطورة الموقف تعتمد بصورة أساسية على طبيعة الإجراءات التي ستُتخذ، وسرعة تنفيذ التوقيتات، وما إذا كانت الحكومة ستوافق على توصيات اللجان بشأن تمديد فترة تنظيم السلاح إلى حزيران 2027، فضلاً عن الإجراءات التي ستُتخذ في حال امتناع أو رفض بعض الفصائل تسليم السلاح، استناداً إلى التصريحات والبيانات الصادرة عنها.
وبيّن أن السيناريوهات المحتملة متعددة ومتباينة، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى توترات بين الأجهزة الأمنية المسؤولة عن تنظيم السلاح وبين بعض الفصائل، بحسب طبيعة الحوارات الجارية ونتائجها، مشدداً على أن الهدف من هذه الحوارات ينبغي أن يكون الوصول إلى نتائج تحول دون الذهاب إلى أي صدام مسلح بين الأجهزة الأمنية والفصائل.
زيارة نيويورك.. السلاح على جدول الاتصالات
وتأتي هذه التطورات بينما وصل ملف السلاح إلى أحد أكثر المراحل حساسية على المستوى الخارجي، بالتزامن مع مشاركة رئيس الوزراء علي الزيدي في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وتشير تقارير سياسية إلى أن ملف حصر السلاح سيكون من الملفات التي تحضر في الاتصالات العراقية ـ الأميركية، إلى جانب مستقبل العلاقة بين البلدين بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي والتطورات الإقليمية المرتبطة بالتوتر الأميركي ـ الإيراني.
وكانت مصادر سياسية قد أفادت بأن بغداد أبلغت واشنطن التزامها بحصر السلاح ووضعه تحت سلطة الحكومة، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن العملية ستحتاج إلى وقت. وهذا المعطى يفسر جانباً من أهمية اللقاءات التي يجريها رئيس الوزراء في نيويورك، من دون أن يعني أن نتائجها أو أي اتفاقات بشأن المواعيد قد حُسمت مسبقاً.
كردستان.. توحيد البيشمركة يضيف بعداً آخر
وفي تطور متزامن، أعلنت حكومة إقليم كردستان، الاثنين 21 أيلول، إتمام عملية توحيد وإعادة تنظيم قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة، بعد سنوات من العمل على إعادة هيكلة الوحدات وتوحيد القيادة والسيطرة.
وقال رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني إن جميع التشكيلات العسكرية أُدرجت ضمن هيكلية حديثة وموحدة تشمل العمليات والتدريب والقيادة والسيطرة والإعلام والإدارة المالية، مؤكداً ضرورة أن يكون الولاء الوطني هو المعيار للقوة العسكرية وألا تستخدم البيشمركة في الصراعات الحزبية والداخلية.
ودعا بارزاني الحكومة الاتحادية إلى ضمان الحقوق الدستورية للبيشمركة ومساواة رواتبهم ومستحقاتهم المالية بنظرائهم في الجيش العراقي، مؤكداً أن قوات البيشمركة جزء من المنظومة الدفاعية للعراق، ومجدداً دعمه للتنسيق الأمني والعسكري مع الجيش العراقي.
ويمثل الإعلان تطوراً مهماً في النقاش العراقي حول تنظيم المؤسسات المسلحة، خصوصاً أن حكومة الإقليم تقول إن عملية التوحيد تهدف إلى إنهاء الانقسام بين التشكيلات وإخضاعها لهيكلية مؤسساتية واحدة داخل وزارة البيشمركة.
وفي هذا السياق، تبدو المقارنة بين تجربة توحيد قوات البيشمركة وبين النقاش الاتحادي حول الفصائل المسلحة ذات أهمية، مع اختلاف الإطار الدستوري والمؤسساتي لكل حالة. فالمسألة في الحالتين تتعلق بتحديد سلسلة القيادة والسيطرة، والجهة التي تمتلك القرار النهائي في استخدام القوة، وكيفية إخضاع التشكيلات المسلحة إلى مؤسسات رسمية.
بين «الحصر» و«إعادة التنظيم»
تكشف التطورات الأخيرة أن جوهر الخلاف لم يعد متعلقاً بمبدأ وجود الدولة ومؤسساتها الأمنية، بقدر ما بات يدور حول معنى «الحصر» وآلياته وحدوده، فالحكومة اليوم تقف امام مسارات متعددة في هذا الملف أهمها هو مسار القرار الوطني.
ويقوم هذا المسار على أن تتولى الدولة العراقية تحديد آليات حصر السلاح وتوقيتاته من خلال المؤسسات الدستورية والأمنية، مع وضع مراحل واضحة لتنفيذ العملية.
وفي هذا السيناريو، تكون عملية حصر السلاح قراراً عراقياً مستقلاً، لا نتيجة مباشرة لضغط أي طرف خارجي، مع معالجة أوضاع العناصر والتشكيلات ضمن القانون والمؤسسات الرسمية.
وسط هذا التعقيد، تبقى القضية الأساسية في معنى حصر السلاح نفسه. فالحصر، إذا أريد له أن يكون فعلياً، لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد إعادة تسمية أو إعادة توزيع للهياكل المسلحة، وإنما إلى ترتيب واضح يجعل القرار الأمني والعسكري خاضعاً للمؤسسات الرسمية والقانون.
وفي الوقت نفسه، فإن حسم الملف لا يعني بالضرورة الذهاب إلى مواجهة داخلية. فالطريق السياسي والقانوني يمكن أن يشمل معالجة أوضاع العناصر والتشكيلات، ودمج من تنطبق عليهم الشروط في المؤسسات الرسمية، وتحديد وضع الأسلحة ومخازنها وسلسلة القيادة والسيطرة، وإقرار التشريعات اللازمة.
والأهم أن يبقى القرار عراقياً. فالتطورات الأخيرة تظهر بوضوح أن ملف السلاح بات يتقاطع مع المصالح الأميركية والإيرانية ومع ترتيبات الأمن الإقليمي، لكن معالجة هذا الملف داخل العراق تظل مرتبطة بمسألة سيادة القرار الوطني وقدرة مؤسسات الدولة على وضع قواعد موحدة تنطبق على الجميع.