اخر الاخبار

يتصاعد القلق السياسي مع استمرار تأخر حسم الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بتشكيل رئاستي الجمهورية ومجلس الوزراء، في مشهد يراه مختصون مؤشرًا على خلل متكرر في إدارة العملية الديمقراطية. فبين صراعات المحاصصة وتضارب المصالح الحزبية، تبرز مخاوف جدية من دخول البلاد في فراغ إداري قد ينعكس سلبًا على تنفيذ الموازنات والخطط التنموية، ويضع مؤسسات الدولة أمام اختبار صعب. وفي ظل غياب الجزاءات القانونية الرادعة، تتزايد الدعوات إلى دور أكثر حسمًا للقضاء لضبط الالتزام بالتوقيتات الدستورية ومنع تكرار أزمات التعطيل التي تهدد بتدهور الأوضاع السياسية.

الخرق الدستوري والشروط الحاكمة

وفي هذا الصدد حذر المحلل السياسي، د. علي السلطاني من استمرار حالة التعطيل المتعمد للاستحقاقات الدستورية التي ترافق كل دورة انتخابية، مؤكداً أن الصراع على المغانم والحصص بات يهدد مصالح الشعب العراقي بشكل مباشر.

وأوضح السلطاني في تصريح صحفي، أن تجاوز التوقيتات الزمنية لانتخاب رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء خرق صريح للدستور،  وعلى السلطة القضائية ممارسة دورها "الحاكم" لإنهاء التعطيل المزمن المتكرر.

وأشار إلى وجود "شروط حاكمة، وهي نصوص دستورية توجب إجراء الانتخابات وحسم الرئاسات في أوقات محددة"، مشدداً على أن "استمرار هذه الخروقات يلقي بظلال ثقيلة وسلبية على العملية السياسية برمتها".

وفي معرض تحليله لمسؤولية الإخفاق، حمّل السلطاني الكتل السياسية الفائزة المسؤولية الكاملة عن هذا الشلل، مبيناً أن "عقدة المحاصصة" هي احد اهم المحركات لهذا التعطيل.

وأضاف ان البلد اليوم "يعيش فراغاً إدارياً خطيراً؛ فالوزارات تُدار بالوكالة، والموظف والمواطن هما الضحية الأولى لغياب الرؤية السياسية الواضحة".

كما أبدى السلطاني في ذات الوقت قلقه العميق من مصير الموازنة العامة، لافتاً إلى أن "ضياع الوقت في صراعات المناصب سيؤدي بالضرورة الى تكرار سيناريو العام الماضي وعدم إقرار الموازنة، خصوصاً مع المؤشرات التي تشير إلى احتمالية غيابها لهذا العام أيضاً".

وخلص الى دعوة مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية للخروج من دور المراقب الى دور "المقرر"، مطالباً إياهم بالضغط على القوى السياسية وإبلاغهم رسمياً بأن هذا التعطيل سيؤدي إلى إجراءات استثنائية، منها التلويح بتشكيل حكومة طوارئ او إمكانية إلغاء نتائج الانتخابات والذهاب نحو انتخابات مبكرة.

وأكد أن ترك الأمر بيد الأمزجة السياسية سيؤدي إلى تمييع الوقت وضياع الدولة، مشدداً على أن القضاء هو الحصن الأخير لإعادة الهيبة للنصوص الدستورية المختطفة.

غياب الجزاءات الدستورية أحد الأسباب

من جانبه، قال الخبير القانوني وائل منذر أن التجاوزات المتكررة على المدد الدستورية والقانونية، لاسيما في ملف تشكيل الرئاسات الثلاث وانتخاب رئيس الجمهورية، ناتجة عن ضعف التجربة الديمقراطية وعدم استكمال بناء المؤسسات الدستورية بشكل رصين.

واشار في حديثه مع "طريق الشعب"، الى أن "خلو النصوص الدستورية الحالية من الردع القانوني منح الأحزاب السياسية مساحة لتجاوز التوقيتات الملزمة دون خشية من عواقب قانونية واضحة".

وحمّل منذر "الكتل السياسية التي تشكل الأغلبية داخل مجلس النواب المسؤولية الكاملة عن تعطل تشكيل الحكومة الجديدة"، مبيناً أن "الصراع الحالي يتركز حول الشخوص والمصالح الحزبية بدلاً من الاتفاق على مناهج عمل وبرامج تنفيذية، وهو ما يتسبب في تكرار هذه الأزمات عند كل استحقاق انتخابي".

كما لفت إلى أن ضعف الوعي لدى الرأي العام وعدم قدرته على ممارسة ضغط حقيقي على الفاعلين السياسيين أسهم في تمادي القوى الحزبية  المتنفذة في سياسة المماطلة.

وفي إطار الحلول الناجعة لإنهاء هذه المعضلة، دعا الخبير القانوني إلى ضرورة إعادة صياغة النص الدستوري بما يضمن إيجاد مخارج حقيقية عند الفشل في تحقيق الاتفاق، مقترحاً الاقتداء بنماذج عالمية كالدستور اليوناني الذي يعتمد مبدأ "النصاب التنازلي"؛ حيث يتم خفض النصاب المطلوب لعقد الجلسات وتمرير الرئاسات تدريجياً من الأغلبية المشروطة الى ثلاثة أخماس والخ..، لضمان تشكيل الحكومة ومنع حالة الشلل السياسي".

واختتم منذر رؤيته بالتأكيد على أن "الحل يكمن في مسارين متوازيين، يبدأ الأول برفع مستوى الوعي الشعبي لمحاسبة الأحزاب سياسياً، وينتهي بالمسار القانوني الذي يفرض جزاءات دستورية صارمة تمنع التلاعب بالمدد الزمنية وتضمن استقرار المؤسسات وتداول السلطة بانسيابية".

القضاء امام مسؤولية كبيرة

الى ذلك، أكد الباحث في الشأن السياسي، جعفر حسن الكعبي، أن الدستور العراقي النافذ لعام 2005 حدد بشكل واضح الخطوط والمسارات والمدة الزمنية اللازمة لانتخاب الرئاسات الثلاث بعد المصادقة على نتائج الانتخابات البرلمانية، مشيراً إلى أن القانون الداخلي لمجلس النواب أيضاً وضع تعليمات واضحة ومواعيد لانتخاب هذه الرئاسات.

لكنه أشار في حديث مع "طريق الشعب"، إلى أن كل هذه التشريعات "لم تُحدد جزاءً في حال خرق المدد الدستورية، ما أدى إلى تجاوز المهل القانونية مراراً وتكراراً".

وأوضح أن "المادة (72/ثانياً) من الدستور تنص على أن يتم انتخاب رئيس الجمهورية خلال مدة لا تتجاوز (30) يوماً من أول انعقاد لمجلس النواب، وكان آخر موعد لذلك (27) كانون الثاني 2026، غير أن هذه المدة قد تم تجاوزها دون محاسبة".

وأضاف الكعبي أن التجارب السابقة "شهدت خروقات مماثلة، بما في ذلك تعطيل انتخاب رئيس مجلس الوزراء لمدة سنة كاملة، نتيجة المحاصصة والتوافقات والمساومات السياسية وبيع المناصب، ما يعكس ضعف النصوص التشريعية وعدم تفسيرها بشكل واضح، مثل نصوص الكتلة الأكبر وغيرها من المواد الدستورية التي لم تُسن لها قوانين تكملية حتى الآن".

وحذر من أن "استمرار هذه الخروقات يضع مجلس القضاء والمحكمة الاتحادية أمام مسؤولية التدخل لضبط الالتزام بالمدد الدستورية، وإلا فإن الحل يكون بالدعوة لحل مجلس النواب وإجراء انتخابات جديدة".

وختم بالقول ان "إصلاح هذه الخروقات لم يعد خياراً أو اقتراحا إنما بات ضرورة دستورية تحتمها تجارب الدورات السابقة لضمان استقرار النظام السياسي، إما عبر تعديل الدستور لمعالجة مواطن الخلل وإعادة الفعالية للنصوص، أو الاستمرار في حلقة مفرغة من التعطيل الدستوري تحت غطاء نصوص قائمة لفظًا، لكنها معطلة أثراً".