العراق: التهديد الإرهابي وتقييم المخاطر الأمنية
نشر موقع SpecialEurasia دراسة للباحث جوليانو بيفولتشي حول التهديدات الإرهابية التي يواجهها العراق في الفترة الراهنة، ذكر فيها أن العراق واجه خلال العام الماضي مخاطر تهدد استقراره وسلامه الأهلي، تمثلت في نشاط تنظيم داعش وهيمنة متزايدة وغير متكافئة للسلاح المنفلت. ورغم الانخفاض في الإحصاءات المتعلقة بعدد عمليات العنف التي تُسفر عن سقوط ضحايا، فإن الطبيعة المتغيرة للتهديدات الإرهابية، التي تفاقمت مع انهيار النظام السوري وعدم قدرة قوات سوريا الديمقراطية على تأمين مناطق سيطرتها، جعلت الحدود العراقية-السورية منطقة بالغة الأهمية لتسلل المسلحين واستعادة المحتجزين. وعلى الرغم من الجاهزية العملياتية لقوات الأمن العراقية، فمن المرجح أن يؤدي انسحاب التحالف الدولي، إلى جانب الجمود السياسي المستمر في بغداد، إلى عودة ظهور الجماعات السلفية الجهادية والجهات الفاعلة غير الحكومية، وربما المدعومة من دول الجوار.
معلومات أساسية
ونقل الباحث عن مسؤولين عراقيين تحذيرات من هذه المخاطر، جراء استمرار تماسك تنظيم داعش على المستوى العالمي وسعيه لاغتنام الفرص لإعادة بسط نفوذه بعد تدهور الوضع الأمني في سوريا.
ونظرًا للعمليات الإرهابية المتواصلة وواسعة النطاق التي شنها التنظيم داخل الأراضي العراقية، والتي أسفرت عن سقوط قتلى في صفوف قوات الأمن والمدنيين على حد سواء، بدأت السلطات العراقية والكردية، بدعم من القوات الأمريكية، سلسلة من الهجمات المضادة ابتداءً من كانون الثاني 2025، من بينها تصفية الرجل الثاني في التنظيم، مكي مصلح الرفاعي. وأعرب الباحث عن قلقه من أن يؤدي الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من قاعدة عين الأسد، والذي بلغ ذروته في كانون الثاني 2026، إلى فراغ أمني يُلقي بعبء عمليات مكافحة التمرد، في المقام الأول، على عاتق قوات الأمن العراقية، ولا سيما في حال اضطرت إلى إيواء نحو 7,000 معتقل من ذوي الخطورة العالية، تجنبًا لحدوث عمليات هروب جماعية قد تشكل خطرًا مباشرًا على محافظتي الموصل والأنبار.
مخاطر على الحدود
وأشارت الدراسة إلى أن العامل الرئيسي وراء ارتفاع المخاطر الجيوسياسية في العراق، ولا سيما بعد سقوط نظام الأسد والمواجهات المسلحة اللاحقة بين حكومة أحمد الشرع المُشكّلة حديثًا وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد، والمتمثل بعدم الاستقرار المستشري داخل الدولة السورية، أدى إلى تعريض سلامة مراكز الاحتجاز ومخيمات النازحين داخليًا، بما في ذلك مخيم الهول، لخطر مباشر. ففي المخيم، يعيش آلاف الأفراد المتطرفين في ظروف إنسانية بالغة السوء، ما يخلق بيئة مواتية لتغذية التطرف مستقبلًا، خاصة بعد تحوّل تنظيم داعش من حكم الأراضي بوصفه “خلافة” إلى العمل كمنظمة متمردة متفرقة ومتنقلة، تستفيد إلى حد كبير من “الثغرات الأمنية” في المناطق الريفية والمناطق المتنازع عليها.
وبيّن الباحث أن نقل 7,000 مقاتل من تنظيم داعش إلى السجون العراقية، ورغم كونه إجراءً وقائيًا لمنع عمليات هروب جماعية من السجون في سوريا، فإنه يبقى يهدد بخلق مشكلة أمنية كبيرة مستقبلًا، في حال سعى هؤلاء الأفراد المتمرسون في القتال إلى إعادة تنظيم أنشطتهم المتمردة من داخل النظام القضائي والعقابي العراقي.
سلاح منفلت
ونوهت الدراسة إلى قدرة الجماعات غير الحكومية المدعومة من الخارج على استخدام تقنيات غير متكافئة لتقويض السيادة الوطنية والاستقرار الاقتصادي، كما حدث في غارات الطائرات المسيّرة على حقل خور مُرّ للغاز، الأمر الذي يسهم في فرض نفوذ هذه الجماعات، ويثبط الاستثمار الأجنبي، ويعزز القمع ضد المخالفين، ويقوّض مؤسسات الدولة القائمة.
ورأى الباحث في هذا التحول الجيوسياسي شاهدًا على التغيرات التي طرأت على المشهد الأمني في منطقة الشرق الأوسط، حيث يجري الانتقال من الحروب التقليدية بين الدول إلى صراعات بالوكالة، تغذيها المنافسة على الموارد، معتبرًا العراق محورًا أساسيًا وساحة المعركة الرئيسية التي يتصادم فيها المفهوم الأمريكي لـ“الأمن الإقليمي” مع استراتيجية إيران القائمة على “الردع بالقوة”.
واختُتمت الدراسة بالتأكيد على ضرورة ضمان احتواء المقاتلين الخطرين العائدين والسيطرة على أعدادهم، وتأمين استقرار الحدود العراقية-السورية، والعودة إلى معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجذرية التي تُسهم في التطرف، والتي تتيح لتنظيم داعش وغيره من الجماعات استغلال الانقسامات المجتمعية القائمة، بما قد يُدخل بغداد في مرحلة طويلة من الصراع المتجدد.