يتصاعد القلق بشأن المسار المالي للبلاد في ظل مؤشرات متزايدة على اختلالات عميقة في إدارة الإنفاق العام، وعجز متفاقم لم يعد يُقاس بحجمه فقط، وإنما بتداعياته المباشرة على الاستقرار الاقتصادي وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها.
وبين توسّع غير منضبط في النفقات، وتعاقدات مالية تفوق الإمكانات الفعلية، تتكشف أزمة تتجاوز حدود المعالجات الظرفية، لتطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى السياسات المالية المتبعة، ومدى الالتزام بالقواعد القانونية والاقتصادية، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تصحيحاً حقيقياً للمسار أم إعادة إنتاج للأزمة بأشكال أكثر تعقيداً؟
الإنفاق غير المنتج يفاقم الأزمة
في هذا الصدد، قال الباحث الاقتصادي صالح الهماشي إن الأزمة المالية التي تمر بها البلاد لا يمكن توصيفها كأزمة سيولة عابرة، فهي بواقع الحال نتيجة مباشرة لفشل مزمن في إدارة السياسة المالية، قائم على توسيع الإنفاق دون بناء مصادر إيراد حقيقية أو رؤية اقتصادية مستدامة.
وأضاف الهماشي في حديث مع "طريق الشعب"، أن الحكومات المتعاقبة "تعاملت مع الموازنة بوصفها أداة إنفاق سياسي لا أداة إدارة اقتصادية، حيث جرى تضخيم الإنفاق التشغيلي والالتزامات طويلة الأمد، مقابل إهمال الاستثمار الإنتاجي القادر على توليد عوائد مستقبلية، ما خلق فجوة هيكلية بين الإيرادات والنفقات لا يمكن ردمها بإجراءات ظرفية".
وأشار إلى أن اللجوء إلى "السحب من الاحتياطيات أو الاقتراض الداخلي لمعالجة العجز لا يمثل حلاً اقتصادياً، بقدر ما هو تسكين او تأجيل الانفجار المالي، ويزيد من هشاشة النظام المصرفية"، محذراً من أن "استمرار هذا النهج سيقود حتماً الى ضغوط تضخمية وتآكل القدرة الشرائية، وانكشاف مالي أوسع".
وبيّن الهماشي أن "أخطر ما في المشهد المالي الحالي، هو غياب الانضباط المالي، حيث تُبرم التعاقدات الحكومية دون تأمين تمويلها الفعلي، ما يحوّل الدولة الى طرف متعثر في الوفاء بالتزاماتها، ويقوّض الثقة بالسياسة الاقتصادية والبيئة الاستثمارية على حد سواء".
وتابع أن "الإصلاح الحقيقي يبدأ إعادة تعريف دور الموازنة العامة، من كونها وسيلة لتوزيع الموارد الى أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد، عبر خفض الإنفاق غير المنتج، وربط أي التزام مالي بمصدر تمويل واضح، وتفعيل قواعد صارمة للحوكمة المالية والمساءلة".
وخلص الى القول إن أي حكومة مقبلة لا تضع الانضباط المالي وسيادة القانون الاقتصادي في صلب برنامجها، ستعيد إنتاج الأزمة ذاتها ولكن بشكل أعمق، مؤكداً أن "الأزمات المالية لا تُفرض على الدول بقدر ما تُصنع بأيدي سياسات غير مدروسة وقصيرة النظر".
مخالفة قانون الإدارة المالية أساس الأزمة
من جهته، أكد الباحث في الشأن الاقتصادي نبيل التميمي أن الحكومة الحالية وقعت في مأزق اقتصادي حقيقي، نتيجة إنفاق مالي هائل على مختلف المستويات، مشيراً الى انها "وصلت الى مرحلة اضطرت فيها إلى السحب من المصارف لتأمين نفقاتها، ونرى كذلك التأخير في صرف الرواتب، ما يعكس حجم الأزمة المالية التي تواجهها الدولة حالياً".
وبيّن في حديثه مع "طريق الشعب"، أن "الخطأ الجوهري الذي وقعت فيه الحكومة يتمثل في مخالفة قانون الادارة المالية، والذي ينص بوضوح على أن لا تتجاوز نسبة العجز في الموازنة (3) في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل نحو (6) مليارات دولار أو ستة (6) دينار عراقي. إلا أن الموازنة التي قدمتها الحكومة الى مجلس النواب تضمنت عجزاً مالياً كبيراً تجاوز (50–60) تريليون دينار".
وأشار إلى أن الحكومة "على الرغم من هذا العجز الكبير، مضت في التعاقدات المالية، حيث شُجِّعت الوزارات والمؤسسات الحكومية على إبرام عقود والتزامات مالية دون توفر السيولة الكافية لتغطيتها، وهو ما أدى الى تراكم الديون وزيادة العجز بما يفوق الإيرادات الفعلية، في مخالفة صريحة لقانون الإدارة المالية، لا سيما ما يتعلق بإدارة العجز والدين العام".
وأضاف التميمي أن "الخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة ترتيب الأولويات، وتنظيم ملف الديون، والعمل على تنفيذ الالتزامات المالية بشكل تدريجي خلال مدة تمتد من سنة الى ثلاث سنوات".
كما شدد على ضرورة أن "تتجنب الحكومة المقبلة تكرار هذا السيناريو، من خلال ضبط الإنفاق وربطه بالإيرادات الفعلية، وعدم ترحيل أعباء مالية ضخمة الى الحكومات اللاحقة".
ولفت إلى أن هناك "مرجعيات قانونية وقضائية يمكن اللجوء إليها لمحاسبة الحكومة على هذه المخالفات، مثل محكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا، حيث يمكن للنواب أو الجهات الحكومية أو حتى الأفراد إقامة دعاوى قانونية بشأن هذه التجاوزات"، مؤكداً أن "قرارات هذه الجهات ملزمة قانوناً".
وخلص الى التأكيد على أن "الأزمات المالية التي يشهدها العراق هي نتيجة مباشرة لعدم الالتزام بالقوانين والضوابط المالية"، مشدداً على أن الحل "يكمن في احترام التشريعات النافذة والاتفاقات المالية، ورسم مسار اقتصادي واضح يجنّب البلاد أزمات متكررة في كل دورة حكومية".
قرارات كسيحة وتخبط إداري
الى ذلك، قال المختص في الشأن المالي حسنين تحسين إن سوء الادارة وتراكم المشكلات الهيكلية، في ظل بيروقراطية سامة وغير منتجة، أسهما بشكل مباشر في تشكّل نمط من القرارات المالية الكسيحة، التي انعكست آثارها على مجمل اقتصاد الدولة وأضعفت قدرته على الاستجابة للأزمات.
وأضاف تحسين لـ"طريق الشعب"، أن التخبط في اختيار وإدارة القيادات التنفيذية، ولا سيما في المؤسسات المالية، كان من أبرز الأسباب التي قادت الى الواقع الاقتصادي الراهن، حيث غابت الرؤية الموحدة والاستقرار الإداري، ما أدى الى ارتباك في السياسات وفقدان الانسجام بين القرارات والتنفيذ".
وأضاف أن "المشكلة الأزلية التي يعاني منها العراق تتمثل في سوء التخطيط والتنفيذ، وهي إشكالية لم تقتصر على القطاعات الخدمية أو الإدارية، إذا نراها امتدت بشكل مباشر الى النظام المالي، الأمر الذي أفرز اختلالات عميقة في إدارة الموارد والسيولة".
وأشار تحسين الى أن "اعتراف الدولة بطباعة كميات كبيرة من العملة المحلية في فترات سابقة يعكس حجم الإرباك في إدارة السياسة النقدية والمالية"، محذراً من أن "مثل هذه الإجراءات، إذا لم تُدار ضمن أطر مدروسة، تسهم في تعميق الضغوط التضخمية وتآكل الثقة بالعملة الوطنية".
وأتم حديثه بالقول إن "معالجة الأزمة المالية تتطلب كسر حلقة البيروقراطية المعطِّلة، وإعادة بناء منظومة التخطيط والتنفيذ على أسس مهنية، إلى جانب تمكين قيادات مالية كفوءة قادرة على اتخاذ قرارات رشيدة تحمي الاستقرار الاقتصادي وتمنع تكرار الأخطاء السابقة".