اخر الاخبار

في ظل التوسع المتسارع لخدمات التوصيل عبر التطبيقات الإلكترونية، يبرز واقع مهني هش يعيشه آلاف العاملين في هذا القطاع داخل البلاد، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع غياب الحماية القانونية، وارتفاع المخاطر اليومية في الشوارع المزدحمة وغير الآمنة.

يعتمد كثير من الشباب على العمل في الدلفري كمصدر دخل رئيسي، في ظل محدودية فرص العمل الرسمية. إلا أن هذا الخيار، الذي يبدو مصدر رزق متاحة، يخفي وراءه تحديات كثيرة تتعلق بالأجور المتذبذبة، وغياب التأمين الصحي، وتكاليف الصيانة، فضلا عن التعرض لحوادث السير والابتزاز أحيانا.

يقول اياد علي الدليمي، وهو عامل توصيل منذ أكثر من عامين لـ"طريق الشعب"

""اعمل أكثر من عشر ساعات يوميا حتى اتمكن من الحصول على دخل يومي مقبول، ومع ذلك لا يوجد راتب ثابت. إذا تعطلت الدراجة أو تعرضت لحادث، الخسارة كلها علينا، ولا توجد جهة تعوضنا".

أما محمد عبد الرحمان، وهو طالب جامعي يعمل بدوام جزئي في إحدى منصات التوصيل، فيشير إلى ضغط الوقت والمنافسة الشديدة: "الشركات تطلب سرعة عالية بالتوصيل، وإذا تأخرت ينخفض التقييم، وهذا يؤثر على عدد الطلبات التي تردني عبر الصفحة. الأمر الذي يجبرنا على السير بسرعة من أجل عدم خسارة العمل".

وتتفاقم معاناة العاملين في هذا المجال مع المصاريف المترتبة على العمل نفسه من وقود وأدوات احتياطية، ما يقلل من هامش الربح الشهري. يقول حسين كريم، وهو ربّ أسرة وأحد العاملين في هذا القطاع لـ "طريق الشعب" إنه "عندما نحسب أرباحنا من العمل نجد أن أغلب الربح يذهب للبنزين والصيانة. ومع ذلك، لا نستطيع ترك العمل لعدم توفر البديل المناسب".

إلى جانب التحديات الاقتصادية، يواجه العاملون مخاطر أمنية، خاصة في المناطق البعيدة أو خلال ساعات الليل. يوضح أحمد فاضل لـ "طريق الشعب" تعرضت أكثر من مرة لمواقف خطرة، منها محاولة سرقة دراجتي، وأخرى حادث مروري، وعندما أتعرض إلى اي إصابة اتحمل وحدي مسؤولية المراجعات الطبية وصيانة الدراجة".

من جانب آخر، يشكو كثيرون من غياب العقود الرسمية، ما يحرمهم من أي حقوق قانونية أو ضمان اجتماعي. ويؤكد عدد من العاملين أن علاقتهم مع الشركات المشغلة غالبا ما تكون غير واضحة، إذ تصنفهم بعض المنصات على أنهم "شركاء مستقلون"، وليسوا موظفين، لتفادي الالتزامات القانونية.

في هذا السياق، يرى مختصون في الشأن العمالي أن قطاع التوصيل بحاجة إلى تنظيم قانوني يضمن الحد الأدنى من الحقوق، مثل التأمين ضد الحوادث، وتحديد آلية عادلة للأجور، فضلا عن إدراج العاملين ضمن مظلة الضمان الاجتماعي.

يقول المحامي جعفر عبد الله لـ "طريق الشعب" إن اقتصاد التطبيقات خلق فرص عمل جديدة، لكنه في الوقت نفسه أنتج نمطا هشا من التشغيل. المطلوب اليوم هو تشريع ينظم العلاقة بين المنصات والعاملين، ويضمن حقوق الطرفين".

ويطالب العاملون في هذا المجال بتدخل حكومي يضمن تحسين ظروف العمل، سواء عبر سن قوانين واضحة، أو مراقبة سياسات الشركات المشغلة، أو توفير دعم خاص لتقليل المخاطر المهنية.

وأخيرا يقول عامل التوصيل قيصر الزوهراي لـ "طريق الشعب" :نحن لا نطالب المستحيل، فقط نريد عملا آمنا، وأجرا منصفا، وضمانا اجتماعيا نعتمد عليه في المستقبل حال مرضنا او عجزنا عن العمل".

وبين توسع الطلب على خدمات التوصيل، واستمرار هشاشة الواقع المهني، يبقى مستقبل هذا القطاع مرهونا بقدرة الجهات المعنية على إيجاد توازن بين تطور الاقتصاد الرقمي، وحماية من يقفون في واجهته اليموظفو معمل ورق البصرة يواصلون احتجاجاتهم ضد {الاستقطاعات الجائرة}