العراق بين مطرقة واشنطن وسندان طهران
نشرت جريدة "بارونز" الأمريكية مقالًا للكاتبتين كريستي بيل غيها وربى الحسيني، تساءلتا فيه عمّا إذا كان العراق قادرًا على تجنّب الانجرار إلى حقبة أشدّ ظلمة، في ظلّ الجمود السياسي، والتدخل الأمريكي العلني، وخطر اندلاع حرب على الحدود، ولا سيّما بعد أن حقق، بشقّ الأنفس، قدرًا مناسبًا من الاستقرار.
في ساحة حرب وشيكة
وذكر المقال أنّ البلاد، وبعد عقود من الصراع والفوضى، تمكّنت مؤخرًا من استعادة شيء من الاستقرار، إلا أنها لا تزال تعاني صراعًا محمومًا لتحقيق التوازن في علاقاتها مع حليفيها الرئيسيين: إيران والولايات المتحدة.
ففي حين لا تُخفي واشنطن رغبتها في التدخل بصنع القرار الداخلي العراقي، وتمارس ضغطًا واضحًا على العراقيين أثناء مناقشتهم اختيار رئيس وزرائهم المقبل، إلى حدّ أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وجّه لهم إنذارًا نهائيًا بإنهاء العلاقات والتعاون مع العراق في حال أُعيد تكليف رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، فإن كبح جماح إيران لم يعد سهلًا، بعد أن دعمت لسنوات حلفاءها السياسيين في مركز السلطة، ثم أقامت أوثق العلاقات مع مجموعة من الفصائل المسلحة التي طالما تعهّدت بالتدخل دفاعًا عن الجمهورية الإسلامية.
حلفاء أم أعداء؟
ونقلت الكاتبتان عن مراقبين عراقيين قولهم إن إدارة ترامب لا تُفرّق بين إيران والعراق، بل تتعامل معهما كقضية واحدة لا تنفصم. كما أن واشنطن، التي دعمت بقوة حكومتي المالكي الأولى والثانية (2006–2014)، تراجعت عن هذا الدعم، بل وانتقلت إلى تهديد العراق في حال تولّي الرجل رئاسة الحكومة مجددًا، وذلك بسبب تطور علاقاته مع طهران وحلفائها، واتهامه بتبنّي أجندات طائفية.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الإطار التنسيقي الحاكم حوارات مكثفة للتوصل إلى أفضل السبل للتعامل مع تهديدات ترامب، أشارت الكاتبتان إلى وجود كتلتين داخل الإطار؛ تتمسك الأولى بموقفها الرافض للتدخل الأمريكي، فيما تطالب الثانية المالكي بالانسحاب لحماية العراق من تهديدات ترامب، خاصة بعد إعلان مسؤول مقرّب من المالكي أنه لا يسعى إلى المواجهة، بل يعمل فريقه على التوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة، رغم صعوبة الوضع والحاجة إلى مفاوضات طويلة الأمد.
نفوذ سياسي واقتصادي
وتطرّق المقال إلى ما تتمتع به الولايات المتحدة من نفوذ كبير في العراق، إذ تُودَع معظم عائدات صادراته النفطية في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بموجب اتفاقية أُبرمت بعد الغزو الأمريكي عام 2003. كما تستثمر العديد من الشركات الأمريكية في العراق، فيما توجد طموحات لدى الجانبين ـ ولا سيما لدى رئيس الحكومة الحالية الذي تربطه علاقات جيدة بواشنطن ـ لجذب مزيد من الاستثمارات، خاصة في قطاع النفط الذي يشكّل نحو 90 في المائة من إيرادات البلاد.
وعزا المقال مخاوف العراقيين الجدية من إمكانية فرض ترامب لعقوبات على بلادهم في حال عودة المالكي إلى السلطة إلى ضعف النمو الاقتصادي، بحيث لا يمكن المخاطرة بإجراءات عقابية من الولايات المتحدة، وما قد تسببه من عزلة تطال الاقتصاد والنظام المالي. وأكدت الكاتبتان على أن هذه المخاطر ستتفاقم في حال شارك حلفاء إيران من العراقيين في التصدي لأي ضربات محتملة ضد إيران.
وحذّر المقال من تحوّل العراق إلى ساحة معركة، أو قاعدة للرد، أو أداة للضغط العسكري، مشيرًا إلى أن تحقق تهديدات واشنطن بإسقاط النظام الإيراني سيؤثر بشكل كبير في العراق على مختلف المستويات، لا سيّما إجبار حلفاء إيران من العراقيين على خوض صراع سياسي وعسكري من أجل البقاء، وبالتالي إعادة هيكلة النظام السياسي في البلاد.