تتصاعد مخاوف جدية بشأن مراكز التطوع والدعوات للمشاركة في نزاعات خارجية، وسط تحذيرات من أنها تتجاوز صلاحيات الدولة، وتشكل ضغطاً على سيادتها وموقفها الرسمي الداعي للتهدئة والحوار والركون للدبلوماسية، وابعاد العراق عن ان يكون ساحة صراع وتصفية حسابات.
المواقف الفردية لهذه المجاميع، بحسب خبراء أمنيين وسياسيين، لا تؤثر على القوة العسكرية للدولة أو تحسم النزاعات، لكنها تحمل أبعاداً سياسية ودبلوماسية خطيرة قد تجر العراق الى أزمات غير مرغوبة.
ويتفق هؤلاء الخبراء، على أن ضبط الخطاب وردع هذه التجاوزات يعد ضرورة عاجلة، لضمان أن تبقى الدولة هي صاحبة الكلمة الأخيرة في حماية سيادة العراق ومصالحه، وتفادي أي تصعيد قد ينعكس على الداخل والخارج على حد سواء.
القضاء جرّم هذا الفعل
في هذا الصدد، قال الخبير الامني سيف رعد، إنّ "موقف وخطاب المرجعية الدينية واضح جداً، حتى في مسألة التطوع، وحددت التطوع في صفوف القوات الامنية. ولا توجد فتوى مباشرة من المرجعية بعمل هذه الفصائل. هذا إذا نظرنا من الناحية الدينية والعقائدية".
واضاف رعد في تعليق لـ"طريق الشعب"، أنه " على المستوى القانوني والدستوري، نجد أن الدستور حظر تشكيل اية مجاميع مسلحة، سواء ميليشيات أو فصائل أو غيرها، خارج إطار الدولة والقانون".
وتطرق كذلك الى "تصريحات رئيس مجلس القضاء الاعلى، التي عبرت عن أن الحاجة لوجود هذه الفصائل قد انتفت، وأن الوضع الحالي في العراق مختلف عن 2014، لذلك دعا الفصائل إلى الاستجابة لعملية حصر السلاح بيد الدولة".
واعتبر رعد، ما يحدث الآن هو "قرار من بعض الفصائل، وتحدٍ صارخ لمؤسسات الدولة ودستورها وقانونها"، منوها بانه "في وقت سابق، كان هناك قرار من مجلس القضاء الأعلى بخصوص العراقيين المتطوعين في النزاعات خارج البلاد، مثل أوكرانيا وروسيا، حيث ان هناك تأكيدات على أن هؤلاء يجب أن يخضعوا للمحاكمة، كون هذه تصرفات فردية وخارجة عن القانون. أي شخص يدعو إلى القتال خارج الحدود يعتبر تصرفه خارج إطار الدولة والقانون".
وشدد على ان "المرحلة خطرة، وتتطلب موقفا حكوميا جادا، الا انها تتخوف من ردود الفعل، ولا تريد أي تصادم مع هذه الجماعات في هذا الوقت".
واضاف ان "جزءا كبيرا من هذه الشخصيات والجماعات التي دعت الى عمليات التطوع، منضوية تحت قبة مجلس النواب، وتمتلك تمثيلا سياسيا. وهذا يشكل التحدي الأكبر أمام العراق اليوم: كيف سيتعامل مع هذه الدعوات؟ أعتقد أن ردود الفعل ستكون واضحة، فكل التحركات مراقبة".
وعن وضع المنطقة اوضح بالقول إنه "من الناحية الاستراتيجية، وفق التعزيزات الأخيرة، هناك تحشيد أمريكي كبير يشمل حاملة طائرات، ومدمرات بحرية، وقواعد بحرية متنقلة".
وبيّن ان "هذه أول مرة يحدث فيها مثل هذا الانتشار الكبير في المنطقة. كذلك تم نقل أسراب من الطائرات الى الأردن، ونشر منظومات دفاعية في الشرق الأوسط، وهذه المرة الأولى التي يحدث فيها هذا الانتشار بهذا الحجم الكبير".
وخلص الى القول: "كل المعطيات تشير الى استعداد قتالي واسع النطاق، يشمل التوزع العسكري في الأردن والخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، وحتى في البحر الأحمر. ويعكس هذا أن الولايات المتحدة تدرك احتمال توسع الحرب، لذلك أي عمليات عسكرية قد تمتد لتشمل العراق واليمن أيضاً".
خرق للدستور وتجاوز للدولية
من جهته، قال المحلل السياسي داود سلمان أن مراكز التطوع التي ظهرت مؤخراً، هي تحدٍ للدولة العراقية، مؤكداً ان تجنيد العراقيين للدفاع عن اي دولة او جهة خارج البلاد يُعد مخالفاً للدستور والقوانين، ويشكل اعتداءً على سيادة الدولة وحكومتها التي لم تساند هذا الاتجاه.
وأضاف سلمان في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن إيران "دولة شقيقة، وتجمعنا معها الكثير من المشتركات ولا نتمنى السوء لها، وهي قادرة على الدفاع عن نفسها بملايين مواطنيها، دون الحاجة الى زخم بشري خارجي".
وأشار المحلل السياسي إلى أن أي "تجاوز لصلاحيات الحكومة وادعاء تمثيل الشعب العراقي من قبل أي طرف يعد مساساً بالعلاقات الدولية، ويعتبر تحدياً للإرادة الدولية، التي لا يقف أمامها أحد مهما كان وزنه الاقتصادي أو الأمني أو العسكري والتي لا تحكمها بوصلة اخلاقية او رادع".
ووصف هذه الظاهرة بانها "استهلاكاً إعلامياً، ولكن حتى لو كانت بهذا الشكل فلا يمكن القبول او السماح بمثل هذه الدعاية".
وحذر سلمان من أن الحكومة مطالبة بالتحرك لوقف هذا الاتجاه، مستشهدا بتحذير سابق لرئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بأن تجنيد العراقيين للدفاع خارج الحدود يشكل خرقاً للأمن الوطني.
وأكد أن "ضبط خطاب هذه الجهات بات أمرا ضروريا، خصوصاً اذا كان هناك تجاوز لصلاحيات الحكومة يمثل مخالفة دستورية، ويجب التعامل معه بحزم وفق ما نصت عليه الفقرات الدستورية ذات العلاقة".
وتابع أن "الموقف الصارم، مطلوب، خاصة مع احتمالية تصاعد التوتر مع أمريكا، نظراً لأن الولايات المتحدة تعتبر مثل هذه التحركات تحدياً للموقف الدولي الذي تمثله، وهي الراعية للمجتمع الدولي اقتصادياً وعسكرياً وتقنياً".
وخلص الى القول ان أي "تقاعس حكومي عن اتخاذ موقف رادع يعد مؤشراً على ضعفها أمام هذه التجاوزات. كما ان استمرار هذه الظاهرة يزج بالعراق في مواقف غير صحيحة وغير مطمئنة لمستقبل النظام السياسي"، مشيراً إلى أن هذا "الحشد والتطوع حتى لو كان دعائياً فقط، الا انه قد ينظر له على انه يمثل إعلان حرب ضمنياً على الموقف الأمريكي، علاوة عن كونه ضرباً لموقف الدولة".
مواقف سياسية إعلامية يجب ضبطها
الى ذلك، أكد الخبير الأمني عماد علو أن ما يجري حالياً من انشاء مراكز تطوع أو دعوات للتطوع والقتال خارج العراق يُعد موقفاً إعلامياً وسياسياً أكثر من كونه تهديداً عسكرياً، مؤكداً أنه لا يرى أن لهذه المواقف أي تأثير على موقف العراق الرسمي.
وقال علو في حديث لـ"طريق الشعب"، إنه "لا مانع من التعبير عن التضامن أو الاحتجاج بطريقة منظمة، سواء عبر وقفات أو عبر وسائل الاعلام، شرط أن يكون الموقف واضحاً ويدعو للتهدئة والحوار والدبلوماسية، دون تصعيد أو تجاوز للحدود".
وأضاف أن "المحللين يعتمدون دائماً على الموقف الرسمي للدولة العراقية، الذي يعكس مصلحة العراق ويُعبر عنه من خلال بيانات وزارة الخارجية، والقائد العام للقوات المسلحة"، مشدداً على أن "هذه المواقف الفردية محدودة العدد، وقدراتها العسكرية ضعيفة ولا تؤثر على القوة العسكرية للولايات المتحدة أو على مسار الصراعات الدولية، إلا أن ضبط هذا الخطاب يظل ضرورة أساسية".
ونبه علو الى أن ما يجري الآن هو موقف سياسي، ولكن ضبط الخطاب والأفعال يجب أن يكون على عاتق الدولة والحكومة لتجنب أية تداعيات محتملة.
وبيّن ان "الأمر عائد للدولة في كيفية قراءة المواقف، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، وإذا كان هناك احتمال لتطور الأمور باتجاهات قد تضر بالموقف العراقي ومصالح البلاد، فينبغي التدخل عبر الحوار مع الجهات المعنية".