العلاقات العراقية – الصينية.. شراكة التاريخ والجغرافيا السياسية
نشر موقع المجلس الأطلسي دراسة للباحثين سردار عزيز ومحمد صالح، ذكرا فيها أن العراق بات، خلال العقدين الأخيرين، عنصرًا مهمًا في الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط، في ظل سعي بكين إلى تأمين مصادر الطاقة وتوسيع أسواقها الخارجية. وفي المقابل، تدفع التحولات الديموغرافية والاقتصادية داخل العراق باتجاه تعميق العلاقة مع الصين، رغم استمرار اعتماد بغداد على الولايات المتحدة في مجالات الأمن والمال والدبلوماسية، ما يدفعها إلى انتهاج سياسة الموازنة بين القوتين.
علاقة عميقة الجذور
وأشار الباحثان إلى أن العلاقة الصينية-العراقية تستند إلى روايات تاريخية وحضارية توظفها بكين لتقديم وجودها في العراق بوصفه امتدادًا لطريق الحرير القديم، لا نتاجًا لمنافسات جيوسياسية حديثة. ويجري التأكيد في الخطاب الصيني على التبادل الحضاري في العصر العباسي، بما يميز الصين عن القوى الغربية ويمنح حضورها شرعية تاريخية. إلى جانب ذلك، تعود العلاقات الدبلوماسية الرسمية إلى الفترة التي أعقبت ثورة تموز 1958، حين اعترفت بغداد بالصين الشعبية، وتعاملت معها بكين من منظور تمتين التحالفات المناهضة للإمبريالية.
وتبلورت العلاقة الحديثة خلال ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما أثناء الحرب العراقية-الإيرانية، حيث أصبحت الصين ثالث أكبر مزود للعراق بالسلاح، ما أدى إلى تراكم ديون كبيرة لبكين على بغداد. كما استفادت الشركات الصينية من فترة العقوبات الدولية (1990–2003) للدخول إلى قطاع النفط العراقي، خصوصًا عبر عقد حقل الأحدب، الذي مهد لعودة قوية لها بعد سقوط نظام صدام.
صديق ومستثمر محايد
وأضافت الدراسة أن الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني لعب، بعد عام 2003، دورًا محوريًا في إعادة تنشيط العلاقات، ولا سيما عندما نجح عام 2007 في الحصول على إعفاء صيني واسع من الديون العراقية، ما فتح الباب أمام توسع استثمارات الطاقة. كما برزت الصين لاحقًا بوصفها الشريك المفضل في قطاع النفط، نظرًا لحيادها السياسي، واستعداد شركاتها للعمل في بيئات غير مستقرة، بعكس الشركات الغربية التي ارتبط اسمها لدى كثيرين بالتدخل الخارجي. وتعمق التعاون الاقتصادي لاحقًا ليشمل البنية التحتية والطاقة الكهربائية، وصولًا إلى اتفاق "النفط مقابل الإعمار" عام 2019، الذي مثّل ذروة الانفتاح العراقي على الصين، وتبنّي بغداد خطابًا مؤيدًا لمبادرة "الحزام والطريق" باعتبارها نموذجًا تنمويًا بديلًا.
ولا تقتصر العلاقة على النخب السياسية، بل تعززها تحولات اجتماعية داخل العراق. فالتوسع الحضري السريع، وارتفاع عدد السكان، وضعف القدرة الشرائية، جعلت السلع الصينية الرخيصة عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية للعراقيين، ما خلق نوعًا من الاعتماد الاقتصادي الشعبي، ازدادت معه جاذبية النموذج الصيني القائم على تقديم الخدمات والبنية التحتية.
تعاون اقتصادي واسع
وذكر الباحثان أن الصين أصبحت الشريك التجاري الأكبر للعراق وأهم مستثمر أجنبي فيه. وتسيطر الشركات الصينية المملوكة للدولة على جزء كبير من قطاع النفط العراقي، حيث تشارك في إدارة نسبة واسعة من الاحتياطي والإنتاج، ما يجعل الصين لاعبًا حاسمًا في أمن الطاقة، وفي الوقت نفسه يعمّق التوجه العراقي شرقًا، بدعم من قوى سياسية حليفة لإيران.
وفي قطاع الاتصالات والبنية الرقمية، رسخت شركات مثل (هواوي) حضورها منذ التسعينيات، وأصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من البنية التحتية للاتصالات، ما يثير قلقًا أمريكيًا متزايدًا. كما امتد النفوذ الصيني إلى الأسواق الاستهلاكية والطاقة المتجددة، مع انتشار السيارات الصينية والألواح الشمسية بوصفها بدائل منخفضة الكلفة.
تعاون ثقافي
وإلى جانب الاقتصاد، أشارت الدراسة إلى أن بكين استثمرت في القوة الناعمة عبر المنح الدراسية، وبرامج التبادل، وتعليم اللغة الصينية، ولا سيما في إقليم كردستان، حيث تتمتع الصين بحضور ثقافي نشط، لكنه منخفض التسييس، يركز على التجارة والثقافة دون الانخراط في القضايا الأمنية أو الهوياتية.
سياسة التحوط
وبسبب الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة في مجالات الأمن والتمويل والنظام المالي، إذ تمر عائداته النفطية عبر النظام المصرفي الأمريكي، وتعتمد قواته الأمنية على الدعم الاستخباري والتقني الأمريكي، وجد الباحثان أن بغداد تنتهج سياسة تنطوي على مفارقة واضحة، تقوم على الاندماج الاقتصادي المتزايد مع الصين مقابل الاعتماد الأمني والمالي على واشنطن. ولهذا، يتجنب العراق الانحياز الكامل لأي طرف، مع توزيع علاقاته الخارجية بحسب القطاعات.