اخر الاخبار

يواجه مرضى الكلى في العراق تحديات متفاقمة تتجاوز مشقة العلاج وجلسات الغسيل المتكررة، لتشمل نقص الخدمات التخصصية، وأعباء السفر بين المحافظات، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وسط شبهات فساد تثير مخاوف بشأن جودة الأدوية والمستلزمات الطبية. وبين اختلالات الإدارة الصحية والمخاوف من التلوث البيئي، تتزايد الحاجة إلى تعزيز الرقابة وتطوير الخدمات التخصصية، بما يضمن حق المرضى في علاج آمن ومتاح دون أعباء إضافية.

20 مركزاً في الاقليم تستقبل المرضى

وأعلنت حكومة إقليم كردستان تقديم خدمات غسيل الكلى مجاناً لنحو 14 ألف مريض، بينهم مرضى قادمون من محافظات وسط وجنوب العراق.

وذكرت دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة الإقليم، في بيان اطلعت عليه "طريق الشعب"، أن 20 مركزاً تستقبل المرضى لإجراء جلسات الغسيل بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعياً.

وبيّنت أن الخدمات تشمل الفحوصات اليومية والشهرية وتوفير الأدوية اللازمة من دون مقابل، مؤكدة أن مركز غسيل الكلى في أربيل يضم 36 جهازاً ويعمل على مدار الساعة.

شبهات فساد تلاحق العلاجات المخصصة لهم

وتكشف طبيبة تعمل في مستشفى حكومي متخصص بأمراض الكلى، فضّلت عدم الكشف عن هويتها، عن وجود شبهات فساد وتلاعب في تجهيز العلاجات والمستلزمات الطبية المخصصة للمرضى، تقول إنها تجري بالتنسيق مع الشركة المسؤولة عن التجهيز، مشيرة إلى أنها قدمت شكاوى وطالبت مراراً بالتدخل لمعالجة هذه المخالفات، من دون أن تلقى استجابة، بحسب إفادتها.

وتوضح الطبيبة لـ"طريق الشعب" أن خطورة هذه التجاوزات ترتبط بطبيعة العلاج الذي يحتاج إليه مرضى الفشل الكلوي، إذ يخضع معظم المرضى في المراحل المتقدمة لجلسات غسيل منتظمة، غالباً ثلاث مرات أسبوعياً، وبمعدل يقارب 12 جلسة شهرياً، تستغرق الواحدة منها نحو ثلاث إلى خمس ساعات، بحسب الحالة الصحية والخطة العلاجية. ولا يقتصر العلاج على جلسات الغسيل، بل يشمل الفحوصات الدورية والأدوية ومراقبة مستويات الأملاح والسوائل في الجسم.

وتحذر الطبيبة من أن أي خلل في جودة المستلزمات أو الأدوية، أو عدم الالتزام بالمعايير الطبية أثناء جلسات الغسيل، قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة لدى المرضى، وخصوصاً الأطفال الذين تتطلب حالاتهم متابعة دقيقة. وتقول إن أخطاء علاجية شهدتها ارتبطت، بحسب إفادتها، بحالات وفاة بين أطفال ومضاعفات صحية لدى مرضى بالغين.

وتضيف الطبيبة أن مدير المستشفى يحصل، وفقاً لما ذكرته، على نسبة مرتبطة بعمليات التجهيز، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن إحالة العقود ومراقبة أداء الشركة المجهزة، ومدى خضوع المستلزمات الطبية للفحص والتدقيق. وتطالب بفتح تحقيق من الجهات الرقابية والصحية المختصة، والتحقق من الشكاوى التي قدمتها، ومراجعة عقود التجهيز وسجلات صرف الأدوية والمستلزمات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي تجاوز أو إضرار بالمرضى.

الكوادر الحكومية تدخر كفاءتها لصالح القطاع الخاص!!

ويقول علي الناشي، مدير منظمة التواصل والإخاء الإنسانية، إن عدداً من الأطباء الاختصاصيين في ذي قار ومحافظات أخرى يعملون في المستشفيات الأهلية إلى جانب عملهم في المؤسسات الصحية الحكومية، مشيراً إلى أن المشكلة لا ترتبط بنقص الأجهزة والمستلزمات الطبية وحده، إذ تمتلك بعض المستشفيات الحكومية إمكانات حديثة، لكنها لا تستثمر بالشكل المطلوب بسبب ضعف الإدارة وقلة الرقابة، فضلاً عن الحوافز المالية الأكبر التي يوفرها القطاع الأهلي، ما يدفع بعض الأطباء إلى إعطاء الأولوية لعملهم فيه على حساب التزاماتهم في المؤسسات الحكومية.

ويضيف الناشي لـ"طريق الشعب" أن تداعيات هذا الخلل تنعكس بصورة مباشرة على المواطنين، الذين يضطرون إلى مراجعة المستشفيات الأهلية وإجراء الفحوصات والعمليات فيها مقابل أجور مرتفعة، رغم إمكانية توفير بعض هذه الخدمات في المستشفيات الحكومية. كما يضطر مرضى آخرون إلى السفر إلى محافظات مختلفة أو إلى إقليم كردستان، بل وحتى خارج العراق، بحثاً عن خدمات صحية أفضل، الأمر الذي يضيف أعباء مالية على الأسر، ولا سيما محدودة الدخل.

ويوضح أن طول فترات الانتظار للحصول على مواعيد لدى الأطباء الاختصاصيين في المستشفيات الحكومية، مقابل سرعة الحصول على المواعيد في المؤسسات الأهلية، يثير تساؤلات بشأن كفاءة إدارة الموارد الطبية ومدى الالتزام بتقديم الخدمات للمواطنين خلال ساعات الدوام الرسمي.

ويلفت إلى أن تحويل بعض المرضى إلى عيادات أو مستشفيات أهلية لإجراء فحوصات أو عمليات تتوافر إمكاناتها داخل المؤسسات الحكومية يزيد من الأعباء التي يتحملها المرضى، ويضعف ثقتهم بالخدمات الصحية العامة.

ويحذر الناشي من أن ضعف الخدمات الصحية لا يقتصر تأثيره على ارتفاع تكاليف العلاج وتأخر حصول المرضى عليه، بل قد يمتد إلى تأخر التشخيص وزيادة المضاعفات الصحية، فضلاً عن إضعاف برامج الوقاية والصحة العامة، بما قد يسهم في الحد من قدرة المؤسسات الصحية على احتواء الأمراض المعدية والحد من انتشارها.

ويؤكد أن معالجة هذه المشكلات تتطلب تعزيز الرقابة على التزام الأطباء والكوادر الصحية بساعات الدوام الرسمي، وضمان عدم تأثر الخدمات المقدمة في المستشفيات الحكومية بالعمل في القطاع الخاص، إلى جانب اعتماد معايير مهنية واضحة في اختيار إدارات المؤسسات الصحية، بعيداً عن المحاصصة والتدخلات التي قد تؤثر في كفاءة الإدارة ونزاهتها.

ويشدد الناشي على أهمية تحسين بيئة العمل وتوفير حوافز مناسبة للأطباء داخل المستشفيات الحكومية، بما يحقق التوازن بين حقوق الكوادر الطبية وحق المواطنين في الحصول على رعاية صحية جيدة، فضلاً عن تفعيل أنظمة الشكاوى والرقابة الإلكترونية، ومحاسبة المقصرين، والاستثمار في تدريب الكوادر الطبية والتمريضية وتطوير خدمات الرعاية الصحية الأولية والوقائية لتخفيف الضغط عن المستشفيات.

ويختتم الناشي حديثه بالتأكيد على أن إصلاح القطاع الصحي لا يتحقق بمجرد توفير الأجهزة والمباني الحديثة، بل يتطلب إدارة كفوءة ورقابة فعلية وتطبيقاً للقانون على الجميع، بما يضمن وضع مصلحة المريض وجودة الرعاية الصحية في مقدمة الأولويات، بعيداً عن المصالح المالية والاعتبارات الخاصة.

تفاقم حالات العجز في صلاح الدين

من جهته، يقول ماجد مسلم، ناشط في المجال الصحي بمحافظة صلاح الدين، إن أمراض الكلى تشهد انتشاراً في المحافظة، ولا سيما في قضاء بيجي، عازياً ذلك، بحسب تقديره، إلى عوامل بيئية، في مقدمتها التلوث الناجم عن الأنشطة الصناعية وتصريف مياه الصرف الصحي في مصادر المياه.

ويضيف مسلم لـ"طريق الشعب" أن بعض المنشآت الصناعية تطرح مخلفات كيميائية قد تؤثر في جودة المياه، فيما يؤدي تصريف مياه الصرف الصحي من دون معالجة كافية إلى زيادة مخاطر تلوث مصادر المياه التي يعتمد عليها السكان، الأمر الذي يستدعي إجراء فحوص دورية للمياه ومراقبة الملوثات المحتملة، فضلاً عن التحقيق في الصلة بين هذه العوامل والمشكلات الصحية المسجلة في المنطقة.

ويشير إلى أن صلاح الدين تسجل، وفقاً للأرقام التي ذكرها، نحو ثلاثة آلاف حالة إصابة بأمراض الكلى، إلى جانب حالات من أمراض السرطان، مؤكداً الحاجة إلى تعزيز الخدمات الصحية التخصصية داخل المحافظة، بما يضمن توفير الفحوص والعلاجات اللازمة للمرضى، ويخفف عنهم أعباء الانتقال إلى محافظات أخرى لتلقي الرعاية الطبية.