اخر الاخبار

في وقت تتسع فيه رقعة تلوث الأنهار في العراق وتتعدد مصادره، جاءت توصيات لجنة الأمر النيابي رقم (63) لتدفع بملف التلوث المائي إلى واجهة المعالجة الحكومية، عبر الدعوة إلى إعلان حالة الطوارئ المائية وإطلاق حملة وطنية لمعالجة أسبابه.

وبينما تستند اللجنة إلى ما رصدته من استمرار طرح مياه الصرف والمخلفات في الأنهار، تبرز تساؤلات بيئية وعلمية بشأن آليات التعامل مع المشكلة، ومدى قدرة الإجراءات الطارئة على وقف مصادر التلوث ومعالجة آثاره المتراكمة على مياه دجلة والفرات.

التلوث بالأرقام

وتكشف بيانات هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية لعام 2024 عن محدودية منظومة معالجة مياه الصرف الصحي في العراق.

إذ بلغ عدد محطات ووحدات المعالجة، باستثناء إقليم كردستان، 76 محطة ووحدة فقط، فيما بلغت نسبة مياه الصرف التي تخضع للمعالجة نحو 67.5 في المائة من إجمالي المياه العادمة المتولدة، مايعني أن قرابة الثلث لا يمر بعمليات المعالجة قبيل تصريفه.

وفي بغداد، أعلنت وزارة البيئة في حزيران 2026 أن نحو 1.5 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي تُطرح يومياً في نهر دجلة، وهو رقم يوضح حجم الضغط الذي تتعرض له منظومة النهر داخل العاصمة.

وتدعم دراسات أكاديمية حديثة وجود مؤشرات على تأثير التصاريف المطروحة في نوعية مياه دجلة داخل بغداد؛ إذ فحصت دراسة منشورة في المجلة العراقية للعلوم (24) عينة من مياه النهر قرب منافذ مياه الصرف خلال عامي 2022 و2023، وسجلت في موسم الصيف تلوثاً بعناصر الكادميوم والرصاص، فضلاً عن تجاوز النحاس والحديد والزنك الحدود المسموح بها وفق المعايير التي اعتمدتها الدراسة.

كما خلصت دراسة حديثة اعتمدت بيانات امتدت لـ14 عاماً، بين 2009 و2022، وشملت 20 مؤشراً في 12 موقعاً داخل بغداد، إلى أن جودة مياه دجلة كانت ضمن تصنيف (ضعيفة) للاستخدام كمياه شرب من دون معالجة متقدمة، مع استمرار صلاحيتها للري وفق نتائج الدراسة، وربطت مصادر التغير في نوعية المياه بالتصاريف المنزلية والصناعية إلى جانب عوامل طبيعية.

وتأتي هذه المؤشرات بالتزامن مع توصيات لجنة الأمر النيابي رقم (63) التي أشارت إلى وصول كميات المياه المطروحة إلى نحو 10 ملايين متر مكعب يومياً في العراق، بينها قرابة 6 ملايين متر مكعب يومياً في بغداد، ودعت على إثر ذلك إلى إعلان حالة الطوارئ المائية وإطلاق حملة وطنية لمعالجة مصادر التلوث.

اعلان حالة الطوارئ

هذا وعقدت لجنة الأمر النيابي رقم (63) مؤتمراً صحفياً، عقب إقرار مجلس النواب توصياتها بشأن التحقيق في أسباب تلوث مياه نهر دجلة والوقوف على الجهات المتسببة فيه والإجراءات المتخذة للحد من آثاره، بحضور وزيري البيئة والموارد المائية.

وأكدت اللجنة أن التوصيات جاءت بعد أشهر من متابعة واقع التلوث في نهري دجلة والفرات، ولا سيما نهر دجلة، مشيرة إلى أن المشكلة امتدت من جنوب بغداد وصولاً إلى محافظات واسط وميسان وذي قار والمثنى والديوانية وبابل والنجف وكربلاء والبصرة.

واشارت الى استمرار طرح مياه الصرف والتلوث في الأنهار أدى إلى تفاقم المشكلة، مشيرة إلى أن كميات المياه المطروحة تصل إلى نحو 10 ملايين متر مكعب يومياً في العراق، بينها قرابة 6 ملايين متر مكعب يومياً في بغداد، تُطرح في نهر ديالى ومنه إلى نهر دجلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ودعت اللجنة الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ المائية، وإطلاق حملة وطنية كبرى لمعالجة مسببات التلوث في دجلة والفرات وبقية الأنهار، من خلال استنفار الجهود الخدمية والإدارية والأمنية والعسكرية، وتفعيل مشاريع المياه وكري الأنهار، فضلاً عن ملاحقة الجهات المتسببة بالتلوث ومحاسبتها قانونياً.

وأشارت اللجنة إلى أن التلوث المائي ينعكس على صحة المواطنين، ولا سيما في المحافظات الجنوبية، مطالبة بتكثيف الإجراءات للحد من آثاره ومعالجة مسبباته.

وأكدت اللجنة أن توصياتها ستصدر بأمر نيابي وتُرسل إلى رئيس الوزراء، معربة عن أملها في أن تشهد جلسات مجلس الوزراء المقبلة البدء بتنفيذ الإجراءات المقترحة وإطلاق الحملة الوطنية لمعالجة التلوث في مياه الأنهار.

ناشطون: ننتظر إجراءات تنفيذية واضحة

في هذا الصدد، قال رئيس مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، إن إعلان حالة الطوارئ من قبل وزارة البيئة، إلى جانب تشكيل لجنة لمعالجة التلوث في نهر دجلة، لن يكونا ذوي جدوى ما لم تترافق الإجراءات مع مشاريع فعلية لمعالجة مصادر التلوث.

وأوضح في حديثه مع "طريق الشعب"، أن مستويات التلوث ارتفعت بشكل كبير في دجلة، سواء في بغداد أو البصرة، مشيراً إلى أن جزءاً من المشكلة يتمثل في كون بعض مصادر التلوث جهات حكومية، ما يحد من إمكانية تغريمها أو إنذارها أو إغلاق المذاب التي تصرف مياه الصرف الصحي مباشرة إلى النهر من دون معالجة.

وشدد على الحاجة إلى تنفيذ مشاريع لمعالجة مياه الصرف الصحي قبل طرحها في نهر دجلة، أو إعادة تدويرها والاستفادة منها في القطاع الزراعي، مبيناً أن ارتفاع تركيز الملوثات يتضمن عناصر سامة ناتجة عن الأنشطة الصناعية وغيرها.

وأشار إلى وجود ملوثات أخرى، بينها الوقود والدهون الناتجة عن مولدات الطاقة الكهربائية في منطقة الدورة، فضلاً عن مخلفات الديلزة والمخلفات المرتبطة بالأمراض السرطانية قرب مدينة الطب، إلى جانب مياه الصرف الصحي المنزلية، مؤكداً أن جميع هذه المصادر تتطلب معالجات فعلية.

وتساءل عبد اللطيف عن الإجراءات التي ستترتب على إعلان حالة الطوارئ، قائلاً إن تشكيل اللجان وإعلان حالة الطوارئ من دون تحديد إجراءات تنفيذية واضحة لن يؤدي إلى معالجة المشكلة.

وأضاف أن الوضع الحالي يتطلب إجراءات عملية لحماية مصادر المياه، مشيراً إلى أن مياه دجلة والفرات، فضلاً عن المياه الواصلة إلى المنازل، تواجه مستويات من التلوث تجعلها بحاجة إلى معالجة وضبط مصادر التلوث قبل أن تشكل خطراً على الاستخدام البشري.

ما العمل؟

من جهته، قال الناشط البيئي محمد اللامي إن معالجة التلوث في نهر دجلة تتطلب الانتقال من التعامل مع الظاهرة بوصفها حالة طارئة إلى اعتماد منظومة علمية مستدامة لرصد نوعية المياه وتحديد مصادر الملوثات ومعالجتها وفق مستويات الخطورة.

واشار في سياق حديثه مع "طريق الشعب"، الى أن تلوث الأنهار لا يرتبط بمصدر واحد، وإنما ينتج عن تراكم ملوثات مختلفة، من بينها مياه الصرف الصحي غير المعالجة، والمخلفات الصناعية، والزيوت والوقود، وبعض العناصر الكيميائية، فضلاً عن الملوثات الناجمة عن الأنشطة السكانية، مبيناً أن اختلاف مصادر التلوث يستوجب تحديد طبيعة كل ملوث وتركيزه وتأثيره في النظام البيئي قبل اختيار المعالجة المناسبة.

وأشار إلى أن أي خطة لمعالجة تلوث الانهر ينبغي أن تستند إلى فحوصات دورية ومعلنة لمؤشرات جودة المياه، مثل الأوكسجين الذائب، والطلب الحيوي والكيميائي على الأوكسجين، والمواد الصلبة العالقة، والأملاح، والعناصر الثقيلة، والمؤشرات البكتيرية، مع مقارنة النتائج بالمعايير البيئية والصحية المعتمدة.

وبيّن أن ارتفاع الأحمال العضوية والملوثات الكيميائية في المياه يؤدي إلى استنزاف الأوكسجين وإحداث اضطراب في البيئة المائية، ما ينعكس على الأحياء المائية وجودة المياه ويزيد من صعوبة معالجتها كلما استمر طرح الملوثات من دون معالجة مسبقة.

وأكد اللامي أن الأولوية يجب أن تكون لمنع وصول الملوثات إلى النهر من الأساس، من خلال رفع كفاءة محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وإلزام المنشآت الصناعية بمعالجة مخلفاتها وفق طبيعة النشاط، ومراقبة منافذ التصريف بصورة مستمرة، إلى جانب اعتماد تقنيات لإعادة استخدام المياه المعالجة في المجالات التي تسمح بها المعايير البيئية بدلاً من تصريفها مباشرة إلى الأنهار.

وأضاف أن معالجة المشكلة تحتاج كذلك إلى قاعدة بيانات بيئية موحدة تحدد مواقع مصادر التلوث وكمياتها ونوعيتها، مع اعتماد نظام إنذار مبكر عند تسجيل تغيرات غير طبيعية في مؤشرات جودة المياه، لأن الاستجابة المبكرة تقلل من حجم الأضرار البيئية والكلفة المطلوبة للمعالجة لاحقاً.

ولفت إلى أن حماية دجلة لا يمكن أن تعتمد على معالجة المياه بعد تلوثها فقط، بل تتطلب إدارة متكاملة لحوض النهر تبدأ من السيطرة على مصادر التلوث، مروراً بالمعالجة والرقابة، وصولاً إلى التأكد من جودة المياه في مختلف المقاطع والمناطق التي تعتمد عليها محطات الإسالة والاستخدامات الزراعية.