متابعة – طريق الشعب
بينما يئن النظام الصحي في العراق تحت وطأة الأزمات، تأتي ظاهرة "الأطباء المزيفين" متجاوزة حدود الحالات الفردية العابرة، آخذة بالاتساع في ظل هشاشة منظومة الرقابة والمساءلة، ما يهدد صحة الناس وحياتهم.
ويعمل هؤلاء المزيفون غالبا في مراكز تجميل، معظمها غير مرخص. إذ يزاولون عملهم بلا شهادات أو تراخيص طبية، وسط شكاوى مواطنين من تسجيل مضاعفات صحية ووفيات جراء أخطاء طبية تُرتكب في تلك المراكز.
وقبل نحو أسبوع، أعادت حادثة أعلنتها قيادة شرطة الرصافة فتح هذا الملف الشائك. حيث أعلنت إلقاء القبض على امرأة انتحلت صفة "طبيبة تجميل"، ومارست المهنة بشكل غير قانوني مدة خمس سنوات. ووفق بيان رسمي صدر عن قيادة الشرطة، فإن "المتهمة اعترفت بفتح عيادات غير مرخصة، وضُبطت بحوزتها وثائق ووصولات مزورة استخدمتها في عمليات نصب واحتيال، قبل أن يتم احتجازها وعرضها على المحكمة المختصة".
القانون العراقي واضح في تجريم مزاولة مهنة الطب من دون شهادة، لكن الإشكالية تكمن في ضعف التنفيذ وتداخل الصلاحيات بين الجهات الرقابية – وفقا لمتابعين، مشيرين إلى أن هذه الحادثة، على خطورتها، لا تمثل سوى واحدة من بين عشرات الحالات المشابهة التي سبقتها خلال السنوات الماضية، في ملف تتكرر فيه الاعتقالات بين فترة وأخرى، من دون أن يلمس المواطن معالجة جذرية.
وتشير مصادر طبية وناشطون إلى تسجيل شكاوى كثيرة من مواطنين تعرضوا لمضاعفات خطيرة بعد الخضوع لعمليات تجميل في مراكز غير مرخصة، تراوحت بين تشوهات دائمة والتهابات حادة، وصولاً إلى حالات وفاة لم تُعلن تفاصيلها للرأي العام في بعض المراكز.
تدخلات طبية خطيرة
الطبيب الاستشاري في جراحة التجميل رافد المساري، يقول في حديث صحفي أن "المشكلة لا تكمن فقط في أشخاص ينتحلون صفة أطباء، بل في مراكز تجميل تحولت إلى عيادات طبية كاملة من دون توافر أبسط شروط السلامة والإشراف الطبي".
ويبيّن أن "حُقن الفيلر والبوتوكس وعمليات شفط الدهون ليست عمليات بسيطة كما يروّج البعض، إنما تدخلات طبية خطيرة تحتاج إلى طبيب متخصص وتجهيزات طبية وبيئة صحية معقمة".
بين القانون والتنفيذ
من زاوية قانونية، يؤكد اختصاصيون أن القانون العراقي واضح في تجريم مزاولة مهنة الطب من دون شهادة، لكن الإشكالية تكمن في ضعف التنفيذ وتداخل الصلاحيات بين الجهات الرقابية.
يقول الاختصاصي القانوني أيهم سعد، في حديث صحفي أنه "ما بين وزارة الصحة ونقابة الأطباء والجهات الأمنية، تبقى مراكز التجميل منطقة رمادية. فهناك تسهيلات تقدم أحياناً للبعض بالتحايل، إما عبر رخص تجارية عامة، أو من خلال غطاء شكلي لأسماء أطباء غير موجودين فعلياً".
لا سياسة وقائية
من جانبه، يرى الناشط المدني رامي السعدي، أن الإجراءات الحكومية ازاء الازمات أو المخالفات غالباً ما تكون "ردة فعل بعد وقوع الكارثة".
ويقول في حديث صحفي: "لا توجد سياسة وقائية ورقابة فعالة لدى الجهات المسؤولة"، لافتا إلى أن "غياب قاعدة بيانات معلنة للمراكز المرخصة والأطباء المعتمدين يترك المواطن وحيداً أمام المغامرة بحياته".
من يُحاسب المحميين؟!
يحمّل ذوو ضحايا الجهات المعنية مسؤولية تلك المخالفات الطبية الخطيرة. وتتحدث هدى الكعبي، التي فقدت أختها بعد مضاعفات عملية تجميل اتضح لاحقاً أنها نُفذت في مركز غير مرخص يعمل فيه أشخاص بشهادات غير حقيقية، قائلة: "شقيقتي لم تكن تعلم أن من أجرت لها العملية ليست طبيبة.. دخلت مركزاً معروفاً يعمل بشكل معلن وله إعلانات وترويج، فكيف يُسمح له بالعمل؟".
وتضيف في حديث صحفي قائلة: "نريد محاسبة كل من سمح، ومن سكت، ومن قدم الحماية لتلك المراكز"!
وتطالب هذه الأصوات بفتح تحقيقات شفافة ونشر نتائجها أمام الرأي العام، وعدم الاكتفاء بإحالة "المتهمين الصغار" إلى القضاء من دون مساءلة الشبكات التي تقف خلفهم وتقدم لهم الدعم والحماية. وتكمن المفارقة في أن الطبيب العراقي المؤهل يجد نفسه أحياناً خارج هذه السوق، بسبب ارتفاع كلف الالتزام بالضوابط القانونية والطبية، مقابل مراكز تعمل بأسعار أقل، وبلا ضرائب أو التزامات، الأمر الذي بات يهدد صحة المواطنين ويقوض ثقة المجتمع في القطاع الطبي ككل.
يُشار إلى أن المعايير القانونية لوزارة الصحة تشترط أن يكون مركز التجميل تحت إشراف ووجود طبيب تجميل أو طبيب جراحة تجميلية وترميمية، وأن يعمل في المركز كادر طبي يخضع لفحص دوري أسبوعي. وبالتالي، فإن صالونات التجميل (الحلاقة) لا تنطبق عليها شروط المراكز الطبية التجميلية، في حين تُدار غالبيتها من نساء يحملن شهادات دراسية بسيطة أو بلا شهادات، وما يحدث في داخلها من استخدام لمواد الحقن يُعدّ تجاوزات خطرة – وفقا لاختصاصيين.