ما يزال القطاع الخاص في العراق عاجزاً عن استقطاب الأيدي العاملة ومنافسة الوظيفة الحكومية، في ظل غياب بيئة تنظيمية وتشريعية مستقرة تضمن حقوق العامل وصاحب العمل على حد سواء.
هذا الضعف أسهم، بحسب مختصين، في ترسيخ ثقافة التوظيف الحكومي بوصفه الخيار الأكثر أمناً، وأبقى مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني دون المستوى المطلوب، رغم الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها البلد.
هذا التباين الصارخ بين الأمان في الوظيفة الحكومية ومغامرة القطاع الخاص، أضحى العائق الأكبر أمام اي إصلاح اقتصادي حقيقي، ما يستوجب وقفة جادة من صناع القرار لإعادة تعريف دور هذا القطاع الحيوي في بناء اقتصاد عراقي أكثر استقراراً وازدهاراً.
أين الخلل؟
وفي هذا الصدد، قال المختص في الشأن الاقتصادي نبيل التميمي إن القطاع الخاص يتأثر بشكل مباشر بالبيئة التي يعمل فيها، موضحاً أن المشكلة ترتبط بطبيعة البيئة التنظيمية والتشريعية غير المستقرة.
وأشار في حديثه مع "طريق الشعب"، إلى أن "تفضيل المواطنين، للعمل في القطاع العام مرتبط بالضمان ولكونه يوفر وظيفة أكثر أماناً واستقراراً".
وبيّن التميمي أن "الحكومة والمشرّع العراقي لم ينجحا حتى الآن في خلق عوامل جذب حقيقية للعمل في القطاع الخاص"، لافتاً إلى أن "ما يُسمى بالقطاع الخاص في العراق يقتصر في الغالب على شركات كبيرة ومحدودة، مثل شركات الاتصالات وبعض الشركات الصناعية الكبرى، في حين أن معظم الأنشطة الاقتصادية الأخرى تندرج ضمن ما يُعرف بالقطاع غير المنظم أو المشاريع الصغيرة جداً".
وأضاف أن دور الحكومة "يتمثل في تنظيم العمل في القطاع الخاص، من خلال تشريعات واضحة تضمن حقوق العاملين وأصحاب العمل"، مبيناً أن هناك تشريعات موجودة لكن تنفيذها ضعيف، الامر الذي أدى الى غياب الاستقرار الوظيفي، ما انعكس سلباً على الإنتاجية وعلى ثقة العاملين بالقطاع الخاص".
وزاد التميمي قائلاً أن العامل في القطاع الخاص لا يحصل على امتيازات تضاهي ما يتمتع به الموظف الحكومي من حيث ساعات العمل المحددة والضمانات الوظيفية، مشدداً على أن المفترض أن تكون الحوافز المقدمة في القطاع الخاص أعلى من نظيرتها في القطاع العام، لكن ذلك غير متاح حتى الآن.
وأوضح أن مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني ما تزال محدودة، رغم أن الناتج المحلي الاجمالي للعراق يقترب من (200) مليار دولار سنوياً، إلا أن الجزء الأكبر من هذا الرقم يعود إلى الاقتصاد الحكومي، في حين تبقى مشاركة القطاع الخاص ضعيفة. وقارن ذلك بدول مثل الإمارات، التي يتجاوز ناتجها المحلي الاجمالي (400) مليار دولار، مع اعتماد كبير على نشاط القطاع الخاص.
وخلص الى القول إن "تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الى مستويات أعلى، كفيل بخلق فرص عمل واسعة، وجذب الاستثمارات والعمالة من الخارج، مؤكدًا أن حجم الأعمال في العراق ما يزال محدوداً ولا يرتقي الى مستوى الإمكانات المتاحة".
تحديات هيكلية
من جهته، قال علي الموسوي، مهتم بالشأن الاقتصادي، أن القطاع الخاص العراقي لا يزال يمثل "بيئة طاردة" للاستثمارات والأيدي العاملة على حد سواء، مشيراً إلى أن غياب التنظيم المؤسساتي والضمانات القانونية جعل من هذا القطاع حلقة ضعيفة في هيكل الاقتصاد الوطني.
واضاف في حديث مع "طريق الشعب"، أن القطاع الخاص في العراق غير مكتمل المعالم ويعاني من عشوائية التنظيم، لافتاً إلى أن "العوائق كثيرة وتتمثل في هشاشة التشريعات وضعف التطبيق وتعرض بعض أصحاب المشاريع لعمليات ابتزاز وضغوطات من جهات متعددة والكثير من العوامل الاخرى".
وين ان "العاملين في القطاع الخاص يواجهون جملة من التحديات النفسية والمهنية التي لا تتناسب مع حجم المردود المادي أو الجهد المبذول وساعات العمل، ما يخلق فجوة كبيرة بين الطموح والواقع".
وعزا الموسوي "أسباب عزوف أصحاب العمل والشباب عن الانخراط في القطاع الخاص إلى عدم التوازن بين ساعات العمل الطويلة و الإيرادات المحدودة، ناهيك عن الافتقار التام لنظام الضمان الاجتماعي والصحي، وتدني مستوى الأجور مقارنة بالقطاع العام".
واتم حديثه بالتشديد على ضرورة "تدخل الدولة لتشريع قوانين تحمي المستثمر والعامل وتحفظ الحقوق، وتفعيل قانون العمل والضمان الاجتماعي بشكل حقيقي"، مؤكداً أن "توطين الوظائف في القطاع الخاص لن ينجح ما لم يتحول من بيئة قلقة وغير آمنة الى بيئة مؤسساتية تضمن الحقوق وقادرة على الاستقطاب".