اخر الاخبار

بلغ الوهم حدّه حين صار يُنتظر ممن أوصلوا العراق إلى حافة الانهيار الاقتصادي والاختناق المالي أن ينتشلوه من أزمته. فأي إصلاح يُرتجى من قوى أشاعت الفساد، وكرست المحاصصة، واستباحت المال العام، وحولت مؤسسات الدولة إلى مواقع للنفوذ والامتيازات؟ وأي تغيير يمكن أن تصنعه طغمة راكمت ثرواتها من السياسات التي أفقرت الناس، وعطلت الإنتاج، وأغرقت البلاد في البطالة وتردي الخدمات؟ ذلك ان الإصلاح يتعارض مع المصالح التي يقوم عليها نفوذ الطغمة.

ولعل حملة مكافحة الفساد، التي حملت اسم "صولة الفجر"، مثال على حدود المراهنة على الإصلاح من داخل منظومة الحكم. فقد بدأت بإجراءات وتحقيقات طالت مسؤولين ونواباً، وأثارت آمالاً بإمكان الوصول إلى حيتان الفساد. لكن العبرة ليس في إطلاق الحملة، انما في استمرارها، ووصولها إلى شبكات المصالح التي تحتمي بالنفوذ السياسي، واسترداد الأموال المنهوبة، وضمان ألا تتحول المحاسبة إلى أداة انتقائية في الصراع على السلطة. فالفساد لا تقتلع جذوره حملة، ما دامت البيئة السياسية التي تغذيه باقية.

وليس التعهد بحصر السلاح بيد الدولة أقل دلالة. فقد قُدّم بوصفه ركناً من أركان استعادة السيادة، لكن استمرار تعدد مراكز القوة يضع هذا التعهد أمام امتحان لم يُحسم. فكيف تستطيع الدولة إنفاذ القانون إذا ظلت قدرتها محكومة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية؟ علما ان حصر السلاح شرط لقيام سلطة مدنية تخضع للقانون والمساءلة.

أما المحاصصة، فقد أثبتت أنها أعمق من مجرد توزيع الحقائب الوزارية. إنها منظومة لتقاسم مؤسسات الدولة ومواردها، وإدامة نفوذ القوى المتحاصصة فيها. وبفعلها تداخل المال بالسلطة، وتراجعت معايير الكفاءة، وأصبحت المواقع العامة جزءاً من حسابات النفوذ والمصالح، لا أدوات لخدمة المواطنين.

وجاء قرار خفض قيمة الدينار أمام الدولار ليكشف طبيعة المعالجات الحكومية. غير أن زيادة ما تحصل عليه الخزينة مقابل الإيرادات النفطية لا تعني خلق ثروة، حين ترتفع كلفة السلع المستوردة وتتراجع القدرة الشرائية للأجور. وهكذا تُنقل أعباء الاختلال المالي إلى المواطنين، من دون معالجة جذور الأزمة في الاقتصاد الريعي، وضعف الإنتاج، والهدر، والفساد.

وتتجلى نتائج هذه السياسات واضحة. فالشباب يطالبون بفرص العمل، والأسر تواجه أعباء التعليم والعلاج والسكن، فيما تتسع الفجوة بين دخول الكادحين والثروات التي راكمتها الفئات المرتبطة بالسلطة والريع والامتيازات. وليست هذه مجرد أزمة موارد، بل هي أيضا أزمة في كيفية إدارتها وتوزيعها، وفي المصالح التي تحكم القرار الاقتصادي.

وفي خضم الاختناق المالي، تتوسع الحكومة بفرض ثلاثة نواب لرئيس الوزراء وحقائب وزارية جديدة اليها. وان عدم تقاضي هؤلاء رواتب لا يؤكد ضرورة مناصبهم: أهي لتحسين الأداء أم لاستكمال المحاصصة؟ تتفق القوى المتنفذة على توزيع المواقع، وتعجز عن مواجهة الفساد وحصر السلاح وتوفير العمل والخدمات. والمسؤولية مشتركة بينها وبين رئيس الوزراء، فالأزمة في نهج ترتبط مصالحها باستمراره، وتغييره يتطلب نضالاً اجتماعياً وسياسياً منظماً يجعل حقوق الأغلبية أساساً للحكم.