اخر الاخبار

يجسد ما آلت اليه أحوال البلد والتدهور في الأوضاع العامة، التداعيات السلبية للنهج المتبع في إدارة الدولة وبناء مؤسساتها واسناد الوظيفية العامة فيها. يدل على ذلك في راهن الحال ما تقدمه ملفات السياسة الاقتصادية والمالية، والقرار غير المدروس جيدا في خصوص رفع قيمة الدولار مقابل الدينار، كذلك استكمال تشكيل الحكومة على هذا النحو البائس، وتضخيم الجهاز التنفيذي في وقت تعاني فيه البلاد من اوضاع اقتصادية مأساوية، وحديث متكرر عن الخيارات الصعبة، وتقديم موازنة بعجز تخطيطي يقدر بـ ٤٣ ترليون دينار. والمستغرب هو انه في أوضاع كهذه تستحدث مناصب جديدة لإرضاء هذه الطرف المتنفذ او ذاك، فيما الناس تفترش الشوارع دفاعا عن لقمة العيش.

ولعل الامر اللافت كثيرا هو عدم القدرة على تنفيذ قضايا يعلن عنها وتحظى بمطالبة واسعة من الناس، ومثال ذلك ملف حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة الدستورية. وفي هذا السياق أشار استطلاع للراي العام، جديد ومعلن، بان هذا الملف يحظى بدعم ٨٣ في المائة ممن شملهم الاستطلاع. ولكن، ومهما قيل تبريرا، جرى تسويف ذلك وتأجيله، وسنكون واياكم شهودا على مدى الالتزام بالتاريخ المحدد، أي حزيران ٢٠٢٧.

المعطيات المرتبطة بهذه الملفات وغيرها تؤشر كونها غير منفصلة عن بعضها، فهي تداعيات ازمة عامة مركبة وشاملة، أُسّها هو نهج المحاصصة، الذي لم يعد، كما يتبق به البعض، بانه لضمان تمثيل مكونات الشعب العراقي وعدم غبن طرف ما، لكنه في الواقع تحول الى نهج متكامل في الإدارة وإعادة انتاج الثروة والنفوذ والهيمنة، وإعادة انتاج ذات القوى التي وجدت في المحاصصة بقرة حلوب لإدامة سلطتها.

وبعد ٢٣ عاما من هيمنة القوى المتنفذة، لم يعد الحديث يجري عن سلبيات نهج المحاصصة، فالتجربة تدلل على ان استمراره يعني المزيد من الازمات، وإذا ما تم تدوير واحدة منها، ظهرت أخرى اشد تأثيرا على المواطنين، الذين هم المتضرر الأساس من هذه الكوارث بفصولها المتواصلة ، من دون بريق امل في إمكانية وقف ذلك ووضع العراق على سكة أخرى مختلفة.

لماذا يتوجب انهاء المحاصصة كنقطة شروع لمعافاة البلد وبناء دولة قادرة على تحقيق السيادة الفعلية وحماية المواطنين والسير على طريق التنمية والعدالة الاجتماعية والاستقرار؟

المقاربات للإجابة  تتعدد، ولعله يتوجب القول أولا ان لا دولة مواطنة مع استمرار نهج المحاصصة. فالدولة الديمقراطية الحقة تقوم على أساس مساواة المواطنين امام القانون، وذلك ما اشره الدستور العراقي  النافذ، وان الوظيفة العامة حق لكل المواطنين وتقوم على مبدأ تكافؤ الفرص للجميع وعلى الكفاءة والمسؤولية وإمكانية العمل ، وليس كما جرى ويجري حتى الان من اسنادها بعيدا عن أية معايير من تلك المشار اليها، حيث معايير الانتماء الطائفي والقومي والديني والمذهبي والعشائري هي الأساس. وهذا ما جعل من مؤسسات الدولة " اقطاعات" تتقاسمها القوى المتنفذة المدعية تمثيلها لهذا المكون او ذاك ، في حين ان نسب التصويت في الانتخابات  لا تدعم ذلك من بعيد او قريب .

ولعل من القضايا الأخرى التي تلح على ضرورة الخلاص من المحاصصة ونهجها بعد التجربة المعاشة والملموسة، انه بوجودها يصعب الحديث عن إمكانية بناء دولة قادرة متمكنة. فالمحاصصة اضعفت الدولة كثيرا، وقادت الى تعدد مراكز القرار وصعّبت إمكانية المساءلة، ما يعني تراكم الأخطاء وانعدام امكانية التصحيح. إضافة الى ان المحاصصة وفرت البيئة السياسية للفساد التي تحميه وتعيد انتاجه.

لهذه الأسباب وغيرها غدا انهاء المحاصصة شرطا أساسيا لبناء دولة المواطنة والديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية، وهذا يحتاج، من بين أمور أخرى، الى مشروع سياسي تغييري، واضح المعالم والاهداف، والى مراكمة القوى والطاقات لتغيير جدي في موازين القوى وفرض إرادة الشعب، التي تعبر عن هذا الجانب او ذاك منها كل يوم مجاميع واسعة وكبيرة من المواطنين، وهم الأغلبية المتضررة من استمرار النهج المأزوم.