تعلمنا وحفظنا عن ظهر قلب معلومة مهمة مذكورة في كتب الجغرافيا، التي درسناها في المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، تفيد بأن العراق تفرّد بخاصية مهمة دون غيره من الدول. فموقعه الجغرافي يعد بمثابة النافذة الشرقية للوطن العربي، كما يقع ضمن منطقة الشرق الاوسط. وان هذه النافذة الجغرافية سمحت بدخول وخروج البضائع التجارية العالمية المتنوعة. وان نشاط السفن التجارية لم يقتصر على حمل هذه البضائع، بل شمل النفط ومنتجاته الاخرى.
وعرفنا ايضا، وجود النفط في معظم أراضي العراق من الشمال حتى الجنوب. إذ يمتلك البلد مخزوناً هائلاً من الثروة النفطية التي اصبحت حديث العالم، والتي تتوزع على الدول كهدايا وهبات ومساعدات ومعونات انسانية، او كتبادل دولي من خلال اتفاقيات تتضمن شروطا يتفق عليها الطرفان، مثلا "النفط مقابل الماء".
ومع تصاعد التوترات الإقليمية الأخيرة، عاش العراقيون حالة من الذعر والهلع تمثلت في طوابير طويلة من العربات عند محطات البنزين، لنيل حق مشروع من المنتج الوطني الذي يحرك عجلة الحياة او على الاقل يحرك عجلة المواطن المغلوب على امره. فنرى ذلك المشهد المذهل الذي يبدأ أحيانا في الساعة الثالثة فجرا او الثالثة ظهرا من اجل الحصول على منتج البنزين الذي يكفي لملء بعض العربات، ولا يسد احتياج الطابور بأكمله. إذ يعود من لا يحصل على البنزين، بعربته جارّا اذيال الخيبة. فيما يعود الآخر فرحا معلنا انتصاره بوصوله الى "البوزر"، محتفلا بعزف "المزيقة" داخل المحطة. ونرى ضحكات الطابور وسخريتهم الكوميدية. فمنهم من يقول: (يمكن التفويلة الثانية يجيب سيف نبيل) وآخر يقول: (والله خطية غير من الضيم والهم والقهر) و(شعب يحب الونسة بس مجاية عدل وياه) و(افرح يا بلد النفط والخيرات مكضيها ازمات) وغيرها.
لقد جسدت ازدواجية هذا المشهد عبارة: الواقع المضحك المبكي!
فهل موقع العراق الجغرافي امام هذه النزاعات الإقليمية حال دون حصول المواطن على جزء من حقه الوطني المشروع، من الوقود الكافي؟ سيكون جواب السؤال طويلا امام طابور اطول...
واخيراً وليس آخراً.. من ازمة إلى أزمة واحنه لا بيها ولا عليها!