اخر الاخبار

جلس رئيس الوزراء أمام البرلمان، متحدثا بنبرةِ مالكِ لحقيقةٍ مطلقةٍ لا تقبل الجدال، ليبرر قرار زيادة سعر الصرف، بوصفهِ الإجراءَ الاضطراريَ الأسلمَ للتخفيف من الضغط الاقتصادي، بدلَ الذهاب نحو خيارات مأزومة، حَصَرَها في ثالوثٍ خانقٍ لا رابعَ له: إما استقطاع ثلث رواتب الموظفين كادخار إجباري، أو توزيعها كل 45 يوما، أو الغرق في ديون فوق الـ 208  تريليونات!

ألمعيةُ الطرحِ تكمن في فرضية العدم، وكأن العقل الاقتصادي العراقي خلا تماما من الحلول.. كأن امتيازات وتخصيصات الدرجات الرفيعة خطٌ أحمرُ لا يُمس. فيما جيب المواطن، وإن تَمَزّق، لا بأس أن يُرتق، أو لنَقُلْ يرقّع بخيوط بالية من آمال زائفة!

الحكومة تتحدث عن "عقلية اقتصادية يُعامل بها الاقتصاد" – وفقا لحديث رئيس الوزراء - وتتجاهل بديهيات الإصلاح التي لا تشترط المبالغة في العقلنة. فلا هي ذهبت نحو تنويع الإيرادات الاقتصادية للخروج من زنزانة الريع النفطي، ولا هي فرضت هيبة الدولة على منافذ تهريب العملة الصعبة، ولا كبحت جماح التهرّب الضريبي الفلكي، أو أوقفت الهدر المالي المفرط.

الواقع المرير يشي بأن الفاسدين والمضاربين وأصحاب الشركات والبنوك الوهمية تحولوا إلى فيروسات مميتة تخشى السلطة مجرد الاقتراب من معاقلها أو لمس امتيازاتها، فتترك هذه الحيتان تبتلع العملة الصعبة في بحر السوق الموازية، علنا، وتأتي لتُسخّر "عقليتها الاقتصادية" في دقِّ حلولٍ تقشفيةٍ مُضنيةٍ على جدار الموظف البسيط والكادح الصابر!

أي معالجة حقيقية وجريئة تعني الاصطدام المباشر بمافيات التهريب والفساد، وهو خيار باهظ الثمن سياسيا. لذا، يظل جيب المواطن هو الخزان الأسهل والمتاح دائما لإطفاء حرائق الفشل الإداري المتراكم.

لكن..! غفلة القرار الرسمي تكمن في تجاهل الثمن الجماهيري مقابل المُغالاة في الثمن السياسي. فإذا كان الفساد وحيتانه وما إليهم ومعهم يهددون كراسي السلطة، فإن الجوع قد يحرقها بالكامل. إذ إن الرهان على صبر المُعدمين المُنهكين معيشيا هو مضاربة انتحارية. فالمعدةُ الخاويةُ لا تقرأ بيانات الموازنة بأريحية، وجوع الشعب لن تُشبعه وعود وتبريرات، وانفجار الجياع قد لا يترك فسحةً لاتخاذ خيارات طارئة تستدر الغفران!

ان قرار الحكومة ليس خطة إنقاذ اضطرارية أو إجراء حتميا لا يقبل بديلا، إنما هو هروب صريح من مواجهة الجاني، ونزوع سافر شطرَ إصدار حكم الإعدام المالي بحق الضحية!