اخر الاخبار

نشرت "طريق الشعب"، في عددها الصادر في 4 تشرين الأول 2026، تقريراً وافياً عن الدروس الخصوصية وأعبائها على الأسر. وتحدثت فيه نادية قاسم، وهي أم لولدين، عن تحوّل هذه الدروس إلى عبء مالي على العائلات، مشيرةً إلى أن كلفة بعض الدروس قد تصل إلى مليون دينار وأكثر. شهادة تفتح سؤالاً أبعد من كلفة الدرس: ماذا يبقى من مجانية التعليم حين تضطر الأسرة إلى الإنفاق على ما يُفترض أن يتعلمه ابنها في المدرسة؟

تنص الفقرة "ثانياً" من المادة الرابعة والثلاثين من الدستور على أن (التعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله). لكن هذا الحق يحتاج إلى مدرسة تستطيع أداء مهمتها؛ فمجانية التسجيل والكتب لا تكفي إذا خرج التلميذ من الصف دون أن يفهم درسه، واضطرت أسرته إلى البحث عمّن يعوضه لقاء أجر.

ولا يصح تحميل المعلم وحده مسؤولية هذا الخلل. فالصف المكتظ، وضيق وقت الحصة، وتردي الأبنية والخدمات، كلها تحدّ من قدرته على الشرح والمتابعة. وحين تتراجع قدرة المدرسة على تعليم أبنائها، تتسع الحاجة إلى المعاهد والمدرسين الخصوصيين، وتنتقل كلفة معالجة الخلل من الدولة إلى الأسرة.

هنا يظهر البعد الطبقي للمشكلة. فالأسرة الميسورة تستطيع توفير ساعات إضافية للشرح والمراجعة، واختيار المدرس والمعهد. أما أسر العمال والكادحين والموظفين محدودي الدخل، فتقتطع أجور الدروس من نفقات الغذاء والإيجار والعلاج، أو تعجز عن توفيرها أصلاً. وقد يجلس طفلان في مقعد واحد، لكن فرصتهما في التعلّم تتباعد بعد مغادرة المدرسة.

ولا يقف هذا التفاوت عند درجات الامتحان، فالدرجات تحدد فرص القبول في الجامعات والتخصصات، وتؤثر لاحقاً في فرص العمل والدخل. وحين يستطيع الطالب الميسور الحصول على شرح ومراجعة إضافيين، فيما يُحرم منهما زميله محدود الدخل، تصبح قدرة الأسرة المالية عاملاً في رسم مستقبل أبنائها. وهكذا قد ينتقل أثر الفقر من جيل إلى آخر، بدل أن يساعد التعليم على تجاوزه. فالمدرسة العامة يُفترض أن تمنح أبناء الفقراء فرصة للتقدم بقدراتهم وجهدهم، لكن ضعفها يترك من يملك المال أقدر على تعويض نقص التعليم، ومن لا يملكه يبقى أسير هذا النقص، فتتسع الفوارق الاجتماعية.

والدروس الخصوصية يمكن أن تكون مساعدة يحتاجها بعض الطلبة، لكنها حين تصبح ضرورة لتعويض التعليم المدرسي، تكشف خللاً يستدعي المعالجة. كما أن تحسين معيشة المعلمين وظروف عملهم جزء من الحل، إلى جانب تنظيم التعليم الإضافي ومنع استغلال حاجة التلاميذ.

المطلوب إعادة الاعتبار إلى المدرسة الحكومية: بناء مدارس تقلّل الاكتظاظ، وتوفير المستلزمات والكوادر، وإتاحة وقت كافٍ للتعلّم، وتنظيم دروس تقوية مجانية للطلبة الذين يحتاجونها. وينبغي إعطاء الأولوية لمدارس الأحياء الشعبية وأطراف المدن والمناطق الريفية، لأن أسر تلاميذها أقل قدرة على تحمّل كلفة الدروس الخصوصية.

فالعدالة في التعليم تُقاس بما يستطيع الطفل أن يتعلمه، وبالفرصة التي تُتاح له، مهما كان دخل أسرته، ومن حق أبناء الكادحين ومحدودي الدخل والمهمشين أن يجدوا في مدارسهم باباً إلى المستقبل، لا فاتورة جديدة يحملونها إلى ذويهم.