في مثل هذه الأيام، منذ سبع سنوات خلت، خرج العراقيون بهتاف موحّد، أكبر من الحكومة والمنظومة والمطالب الحياتية، خرجوا ينادون "نريد وطناً"، موقنين بأن كل ما أستُلب منهم من كرامة وعدل وحرية وتكافؤ فرص، لن يعود قبل أن يستعيدوا وطنهم. ولهذا، لم تكن الانتفاضة موجة احتجاج عابرة، بل ثمرة إدراك عميق لطبيعة الأزمة البنيوية التي تعيشها بلادنا وتمظهراتها المختلفة، سواء في تمركز السلطة والثروة بأيدي عائلات حاكمة ونخب مرتبطة بها، أو في تدني النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة لاسيما بين الشباب، وفي تخلف الخدمات الأساسية، وتوسع النشاط الطفيلي، وتغول الفساد، فضلاً عن ميل الأوليغارشية الحاكمة للاستبداد، باعتباره الأداة الرئيسية التي تقمع بها مقاومة المجتمع لسياساتها في التقشف والخصخصة وتفشي الفقر والأمية. وكان طبيعياً ان يتجسد هذا الإدراك، ليس في مواجهة الموت بصدور عارية فحسب، بل وفي القناعة بأن تغيير الوجوه والأسماء لا يعني شيئاً إن لم يأت في سياق توازن جديد للقوى، يحرر عنق الوطن النحيل من مخالب الأجهزة والشبكات المسيطرة.
وإذا كان للتلكؤ في بناء تنظيمات جماهيرية عابرة للمكونات، تتبنى مصالح اجتماعية مشتركة، أثر سلبي، فإن من الإنصاف تماماً الفخر بنجاح الانتفاضة في إعادة الحياة للهوية الوطنية الجامعة، مذ خرج الشعب كله في كتلة واحدة، ليبدد الوهم بوجود صراع طائفي أو إثني في البلاد، وليخوض صراعاً تناحرياً مع تحالف برجوازي بيروقراطي كمبرادوري حاكم داخل دولة ريعية تابعة، فشلت في تحقيق التنمية والعدالة، ومع حماته الإمبرياليين، الدوليين والإقليميين، بغض النظر عن الطائفة أو القومية التي تنتمي اليها أطيافه المختلفة.
ورغم إن أوار الانتفاضة لم يخمد حتى بعد قمعها واضطهاد أبنائها وتبشيع صورتها من قبل الأوليغارشية الحاكمة، فأن ما تركته من خبرات وأسئلة وإجابات بقي شموعاً تضيء الاحتفاء بذكراها كل عام، مذ حفزت أجيالاً جديدة على عدم النظر إلى الاستبداد باعتباره قدرًا أبديًا، وعززت ثقتها بنفسها في فترات الجزر كما في فترات المد، ونمّت وعيها بضرورة وجود قوى منظمة تحوّل المطالب إلى خطط، والغضب إلى فعل سياسي، والاحتجاج إلى مؤسسات اجتماعية وديمقراطية قادرة على التغيير.
وباتت، بتلك الخبرة، واضحة أسباب التراجع، سواء في افتقار المنتفضين إلى برنامج يرسم معالم الدولة التي يريدون أن يحققوا بها الحريات ويحمونها، وشكل الاقتصاد الذي يحقق مطمحهم في العدالة والقضاء على الفقر والتفاوت الطبقي، ومسارات التطور الاجتماعي التي سيسلكونها لتأمين حقوق المرأة وطموحات الشباب والخلاص من الاسترقاق الإثني والطائفي والعشائري الذي تحاول الاوليغارشية تأبيده. كما بيّنت الخبرة كيف يفضي الارتهان للماضي، بتجاربه الباسلة، ظافرة كانت أم خائبة، إلى قراءة مسبقة الصنع للواقع، لا تراه كما هو بل كما تريده أن يكون. وفضحت خديعة الحرية السياسية العائمة بعيداً عن دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، والتي لم تعد، بعد عقدين من الزمان، تنطلي على أحد.
وأخيراً، لابد أن تكون جميع الأطياف التي فجرت الانتفاضة وعمّدت مشاركتها بالدم قد أدركت اليوم أن عجزها عن استثمار ما يعانيه النظام المحاصصاتي من أزمة شرعية فاضحة، وتلكؤها في تقديم مشروعها البديل، بأشكال ومضامين، تناغم تطلعات الناس، هو ما أعاقها عن تغيير اتجاه فوهات البنادق نحو الاستبداد والاستغلال، فضلاً عن يقين يشير إلى أن قبس الثورة مازال متقداً بالشروط ذاتها التي صنعت تشرين، وأن الانتفاضات هي محطات مترابطة في عملية ثورية طويلة، تتواصل عبر موجات من التقدم والانحسار حتى يوصلنا التراكم للحظة التغيير البهي.