اخر الاخبار

تعَدّ الحراكاتُ الاحتجاجية نتاجاً واضحاً لتناقضٍ طبقيٍّ حادّ داخل دولةٍ ريعيةٍ تابعة، عجزت منظومةُ حكمها عن تأمين الحريات، وتحقيق حدٍّ أدنى من العدالة الاجتماعية، وإنجاز تنميةٍ مستدامة، إضافةً إلى فشلها في إخماد الصراع الطبقي، رغم ما مارسته من قمعٍ علنيٍّ ومستتر، أو ما وزّعته من "مكارم" لشراء ولاءاتٍ سياسيةٍ وطائفية، أو ما اعتمدته من سياساتٍ لتدجين النشطاء.

وقد تجلّى هذا الصراع في نموّ وعيٍ طبقيٍّ جديد، ليس فقط ضدّ التفاوت الاجتماعي المريع الناجم عن ازدياد معدلات البطالة، ونهب الثروة الوطنية، والتراجع في الدخل الحقيقي، وغياب الخدمات الأساسية، بل وأيضاً من أجل إنهاء التخادم متعدّد الأوجه بين الريع وهيمنة أيديولوجيات الهويات الفرعية، ومن أجل إضعاف شرعية النظام، ونشر المفاهيم السياسية للعدالة الاجتماعية، وابتكار أشكالٍ جديدةٍ للتنظيم الاجتماعي، وصولاً إلى تحقيق تغييرٍ جوهري يضمن استعادة الدولة لشرعيتها ومصداقيتها.

وكما شهد مسار تطوّر هذا الوعي صعوداً مفرحاً، فقد عرف تراجعاتٍ مؤلمة، جرّاء فشل حراكات عامي 2011 و2015 وانتفاضة تشرين في تحقيق تغييرٍ بنيوي، وبسبب قدرة الأوليغارشية على احتواء فئاتٍ من الناشطين، إلى حدٍّ فقدت فيه بعضُ القواعد الاجتماعية الثقةَ بجدوى الكفاح، إضافةً إلى غياب أو ضعف المؤسسات التنظيمية وعجزها عن بلورة قياداتٍ للحراك قادرةٍ على تبنّي بدائل سياسية للطغمة المسيطرة، وبرنامجٍ اقتصاديٍّ بديل للرأسمالية الريعية التابعة.

كما أدّى القمع، الذي استعادت به الأوليغارشية سيطرتها السياسية، إلى تغوّل المجتمع المدني التقليدي، مما أضعف الوعي الطبقي، وأفضى بالتالي إلى قبولٍ نسبيٍّ بالنظام، وإلى انزواء المجتمع المدني الجديد الذي يتبنّى خطاباً وطنياً جامعاً، وتنظيماً أفقياً غير هرمي، وإعلاماً بديلاً.

وإذا كان اتّقاد جمرة الصراع على توزيع الريع واحتكار الثروة مشروطاً باتّساق تطوّر الظروف الموضوعية مع إنضاج العامل الذاتي، على نحوٍ تتحطّم معه الهيمنة الطائفية والأثنية، ويولد ويسود الخطاب الوطني، فقد أثبتت تجارب بلدانٍ ومجتمعاتٍ مختلفة أنّ اليسار هو المُنّشأ الأبرز لأدوات تحقيق هذا المشروع التاريخي، شرط تطوير سياساته وخطابه، وتمتين تنظيمه وعصرنته، وبناء منظماته الجماهيرية، وتوحيد قواه مع سائر الديمقراطيين والوطنيين في جبهةٍ فاعلة، وإعادة بناء قاعدةٍ عماليةٍ وشعبيةٍ عابرةٍ للقوميات والطوائف، وتوحيد الحركة النقابية وتفعيل دوره فيها، وتوسيع النشاط في الريف، وتبنّي برامج ملموسة لتعبئة المهمّشين.

وتمثّل قضايا مواجهة الاحتلالات، وضمان الحريات، وتأمين العدالة الاجتماعية، الركائزَ الأبرز التي تمكّن اليسار من تبوّء موقعه في إذكاء الحراكات وإدارتها، والسير بها نحو أهدافها النبيلة. ويتطلّب ذلك منه تشخيص طبيعة الحلقة المركزية والحلقات الفرعية المترابطة، سواء في تصعيد الكفاح الوطني من أجل صيانة السيادة، وتحقيق الاستقلالين السياسي والاقتصادي، وتعزيز مكانة الدولة الوطنية، أو في السعي لإنجاز التحوّل الديمقراطي والتداول السلمي الحقيقي للسلطة، أو في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، على أساس تفعيل الإنتاجين الزراعي والصناعي، وحظر الخصخصة في مؤسسات الرفاه كالصحة والتعليم والكهرباء والمياه والاتصالات، وتطهير قطاع النفط والمعادن من الفساد والفاشلين، وتطبيق ضمانٍ اجتماعيٍّ شامل، وفرض ضرائب صارمة على الأرباح الكبيرة، وتجريم التمييز الطائفي والعنصري والطبقي.

كما يتطلّب ذلك من اليسار أن يكون في قلب الحراكات الاحتجاجية، وأن يطوّر قدراته على التعبئة الجماهيرية، وأن يقوم بحملاتٍ على الصعيدين الوطني والمحلي لتحقيق أهدافٍ ملموسة، وأن يُحدّث أساليب دعايته ويُنوّع خطابه، ولا سيّما الموجَّه منه لجذب الشبيبة وتثويرها. ويبقى تطوير الفكرة على ضوء تطوّرات الواقع وما يطرحه من تساؤلات ومشاكل، وبما يصون الألق الثوري لليسار، نجمَ هدايةٍ لحركةٍ ظلّت مزهرةً رغم الجراح.