اخر الاخبار

في مثل هذه الأيام من عام ١٩٤٩ اقدمت حكومة نوري السعيد ومن ورائها السفارة البريطانية، على اعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي فهد وحازم وصارم، ليكونوا أول ضحايا إرهاب الدولة وقمعها الدموي، للمعارضة السياسية ولرية الرأي والفكر والمعتقد.

 كذلك في مثل هذه الأيام قبل ثلاثة وستين عاماً، ارتكب الفاشت العفالقة ومن ساندهم في الخارج والداخل، أبشع جريمة في تاريخ العراق الحديث، حين جاءوا على دبابة أمريكية لتقويض جمهورية 14 تموز الفتية، الجمهورية التي فتحت أبواب الأمل والخير والكرامة للفقراء، وسارت بالوطن على سكة الاعمار والبناء والتقدّم في شتى المجالات العمرانية والصناعية والزراعية والثقافية والتربوية والتعليمية وغيرها.

في مثل هذه الأيام، افتتحت القوى الاستعمارية والرجعية سنوات الدم والقمع والخراب والكراهية والبغضاء والنار بين أبناء الوطن الواحد، لتستمر حتى أيامنا هذه، حيث الطائفية والفساد والمحسوبية والمحاصصة والحزبية الضيقة، وتخريب النفوس والعقول بكل ما يسيء وينخر في كل زاوية من زوايا البلاد.

وفي مثل هذه الايام من كل عام اعود بذاكرتي الى زمن طفولتي وصباي، لأنني لم أكن أدرك حينها ما كان يفعله أبي (لروحه السلام)، حين كنت في اخطو أولى خطواتي في هذه الحياة، التي حملتُ وما زلت أحمل أثقالها على كاهلي رغم كل شيء.

أبي الذي كسر الفاشست ظهره بعد انقلابهم الدموي الأسود لأنه كان  قاسمياً حد النخاع، كم عانى وتألم بعد ذلك كثيراً! كان يصعد إلى سطح بيتنا الطيني كل مساء في مثل هذه الأيام، يجلس قبالة القمر، يحدّق فيه كثيرا والدموع تغسل وجنتيه.

كنت اسأله ما بك يا أبي؟ لماذا تبكي؟ فيشيح بنظره عنّي ويكفكف دموعه ثم يقول:: لا شيء .. ستعرف عندما تدور بك عجلة الأيام يا بني !

وقد عرفت ذلك حين حدثتني أمي (لروحها الطمأنينة) لاحقا، كيف هجم الأشرار حينها على من كانوا يعشقون الوطن والناس، وقتلوا الزعيم الذي احتضن الفقراء وسط قلبه، وكل ما عنده لهم، كما عاثوا في البلاد فتكاً وقتلاً وترويعاً، وسفكوا دماءً بريئة لشيبة وشباب وفتية وصبايا ونساء !

ومنذ شباط ١٩٦٣ حتى شباطنا اليوم، لم ينعم العراقيون بيوم مستقر مبهج ابدا!

منذ ذلك الحين ونحن نحرص على حفظ ذكرى الضحايا المغدورين وإحيائها، رغم ما تسبب لنا من أوجاع ومرارات، وما تثير فينا من غضب عارم على الفاشيست الأثمين وجرائمهم الشنيعة التي لم ولن يمحو آثارها الزمن ابدا، ليظلّ شباط اسود دائماً، سوادَ وجوه القتلة والجلّادين وكل مَنْ سار بركبهم.