مثل كل عام، تتجدد معاناة المواطنين قبل أيام من رمضان. ففي هذا الشهر، الذي يفترض أن يكون شهر تعاون وتكافل، يجد المواطن نفسه في محنة يومية جراء تزايد أسعار المواد الغذائية واللحوم، وسط دخل ثابت أو اجر يومي بائس، ورقابة غائبة وسوق متروك لجشع التجار.
وزاد الأمر سوءا ارتفاع سعر صرف الدولار، لينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، حتى تلك المنتجة محليا، في مشهد يكشف هشاشة السوق وارتهانه الكامل لسعر الصرف، دون أي أدوات حكومية حقيقية لكبح الغلاء أو حماية المستهلك.
ومع اقتراب رمضان تتحول الحاجة اليومية إلى عبء ثقيل، وتصبح مائدة الإفطار معادلة حسابية قاسية. ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن تأخر صرف رواتب موظفي الدولة، والتي تمثل المحرك الأساسي للسوق المحلية. فعندما تتأخر الرواتب يدخل السوق في حالة ركود، لكن هذا الركود لا يؤثر كثيرا على اصحاب المال والتجار، بل على اصحاب المحال الصغيرة والبسطات، بسبب تدني القدرة الشرائية للموظفين والعمال وسائر المستهلكين.
وفي ظل هذا المشهد يغيب الدور الرقابي للدولة. فلا تسعيرة حقيقية ولا متابعة للأسواق، ولا محاسبة للتجار المتلاعبين، وكأن المواطن ترك وحيدا في مواجهة سوق بلا ضوابط.. رمضان هنا لا يأتي محملا بالطمأنينة، بل بالخوف من قائمة تسوق لا تتناسب مع أي راتب!
إن استمرار هذه المعاناة ليس قدرا، بل نتيجة سياسات اعتمدت المحاصصة الطائفية وسيطرة الفساد على هذا النظام وغياب رؤية اقتصادية واضحة. فدون دعم حكومي حقيقي للطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل، ودون إعادة الاعتبار للصناعة والزراعة الوطنية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد والقضاء على الفساد، سيبقى المواطن أسيرا لتقلبات الدولار وجشع السوق، وستظل المعاناة مستمرة في شهر رمضان وغيره من الشهور.