ما إن أعلنت الأكاديمية السويدية اسم الفائز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026، حتّى ضجّت الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي بالحديث عن الكنديّة آن كارسون، محتفيةً بها وبمنجزها الأدبي تارةً، ومشكِّكةً في معايير الاختيار تارةً أخرى. وكان لإعلان فوز كارسون وقع جميلٌ في نفسي؛ فعلى خلاف بعض الفائزين السابقين الذين لم أكن قد قرأت لهم أو حتى سمعت بأسمائهم، أسعفني الحظ هذه المرة بأن أترأس، قبل قرابة شهر، مناقشة رسالة ماجستير في كلية الآداب بالجامعة المستنصرية، عنوانها "الجسد الأنثوي بوصفهِ شهادةً: الحزن المجسّد والصَّدمات النفسيّة المسكوت عنها في مختارات من قصائد آن كارسون". وقد تناولت الباحثة زينب مصطفى عواد في رسالتها ثلاثًا من مجموعات كارسون الشعرية هي: نوكس أو الليل، وإفناء الذات والوثيقة الحمراء. وجاء في بيان الأكاديمية السويدية أنَّها اختارت منح الجائزة لآن كارسون تقديرًا لــ "نتاجها الأدبي الجريء والخلاق الذي أوجد، في حوارٍ مرحٍ مع التراث الكلاسيكي، أشكالًا جديدةً للأدب".
ما يهمني هنا ليس الأسباب التي أوردتها الأكاديمية لتبرير منح كارسون الجائزة، بل جانبٌ آخر في نتاجها الأدبي أجد نفسي شريكةً لها فيه، وهو الترجمة. فعلى الرَّغم من أنَّ الرسالة ركزت أساسًا على تمثيلات الجسد الأنثوي بوصفهِ فضاءً للحزن والمرض والتشطي والصدمات النّفسية، وعلى الشهادة على هذه التَّجارب المؤلمة، في ضوء المقاربات النقدية التي تستكشف تعذّر التعبير عن الألم، وهشاشة الجسد الإنساني، والحدود التي تفصل بين الحياة المعترف بقيمتها والحياة المستبعَدة من دائرة الرَّثاء، فإنَّها دفعتني إلى تأمل بُعدٍ آخر من أبعاد الكتابة الأدبيّة لدى الشاعرة، ألا وهو اشتغالها بالترجمة، وما تنطوي عليه من علاقة معقدة بين الترجمة والفقد والشعور بالصدمة والبقاء والتّكيُّف بوصفها عمليات تتداخل فيها أبعادٌ نفسية وجسدية وإبداعية متنوعة.
ليست كارسون الشاعرة الأولى أو الوحيدة التي اتّخذت من الترجمة وسيلة لإثراء رؤيتها الشعرية للعالم؛ فقد سبقها الى ذلك شعراء بارزون، من بينهم عزرا باوند وشيمس هيني وأدريان ريتش وهيلدا دولتل وتشارلس بودلير وبول سيلان واكتافيو باث، وغيرهم. ولست هنا بصدد المقارنة بين هؤلاء الشعراء وكارسون، إذ لعلي أفرد لذلك مقالًا مستقلًا في وقتٍ لاحقٍ. إنَّما أوّد التّركيز على توظيف كارسون الترجمة بوصفها ممارسةً إبداعية واستراتيجية شعرية، تحديدًا في مجموعة "نوكس"، وذلك مراعاةً لضيق المساحة المتاحة.
ولعل من المناسب أن نبدأ بما ذكرته كارسون عن اشتغالها بترجمة القصيدة رقم 101 للشاعر الروماني كاتولوس، التي كتبها رثاءً لأخيه:
لقد أحببتُ هذه القصيدة منذ أن قرأتُها للمرة الأولى في درس اللغة اللاتينية في المرحلة الثانوية، وحاولتُ ترجمتها مرارًا. فلا شيء في اللغة الإنجليزية يستطيع أن ينقل ذلك السطح الهادئ المتدفِّق، المشحون بالعاطفة، الذي تتسم به المرثية الرومانيّة. ولا يستطيع أحد، حتى باللغة اللاتينية نفسها، أن يضاهي أسلوب كاتولوس؛ إذ تنطوي لغته، حتى في أشد لحظاتها حزنًا، على مسحةٍ من الابتهاج العميق، أشبه بشجرة تقلب الريح أوراقها، فتبدو فضية اللون.. لم أتمكَّن قط من إنجاز الترجمة التي كنتُ أطمح إلى تقديمها لهذه القصيدة. لكنني، على امتداد السنوات التي أمضيتها في الاشتغال عليها، بدأتُ أنظر إلى الترجمة بوصفها غرفةً، ليست مجهولة تمامًا، يتحسَّس المرء طريقه فيها بحثًا عن مفتاح الضوء. وأظنُّ أنَّ الأمر لا ينتهي أبدًا. فالأخ لا ينتهي أبدًا. أظن أنَّني سأظلُّ أتحسَّسه وأبحث عنه. لكنَّه، كالقصيدة، لن ينتهي ولن يغيب.
تتجلّى أهمية العلاقة بين قصيدة الشَّاعر الرُّوماني وكتاب نوكس في فهم كيفية توظيف كارسون الترجمة بوصفها ممارسةً شعرية وإبداعية؛ إذ يلتقي العملان في مجموعةٍ من الموضوعات والقضايا منها الفقد واستذكار الراحلين، ومحاولة التَّكيُّف مع الألم، والرحلة نحو الموتى، وحدود اللغة، ومحاولة استبقاء شخص غائب من خلال الكتابة الشعريّة. غير أنَّ كارسون لا تكتفي بترجمة قصيدة كاتولوس، بل تتخذ منها إطارًا تستكشف من خلاله حزنها الشخصي على وفاة أخيها، الذي مات بعيدًا عنها، بعد سنوات من القطيعة بينهما. وهكذا، غدت جهود كارسون في ترجمة هذه القصيدة جزءًا لا يتجزأ من محاولتها التكيّف مع فقد أخيها، ومن سعيها إلى تحويل هذا الفقد إلى تجربة شعرية تحفظ أثره وتخلّد ذكراه.
تؤدي الترجمة أدوارًا متنوعة تتجاوز حدود النَّقل الحرفي للمعاني والكلمات في تجربة كارسون؛ إذ تتيح للشاعرة الانفتاح على أصوات وأشكال أدبية وحقب تاريخيّة أخرى فضلًا عن استكشاف أساليب تفكير ورؤى تُثري نصوصها الإبداعية. وقد أسهمت ترجمتها لكاتولوس وانخراطها في حوار معه في توسيع آفاقها الإبداعية وتنويع مواردها التخيليّة، بما يتجاوز حدود تجربتها الشخصية المباشرة. وإلى جانب ذلك، أتاحت لها الترجمة سبيلًا غير مباشر للتعامل مع أحزانها الشخصية والتّعبير عنها، من خلال استحضار كلمات شاعر آخر ورؤاه، تفصل بينهما قرون، لكنهما يلتقيان في تجربة الفقد وما تثيره من ألمٍ وهموم.
تؤدي الترجمة دورًا مهمًا آخر في التجربة الأدبيّة لكارسون؛ إذ تتيح لها التَّحرر من قيود الشكل الشعري الواحد. ومن الجدير بالملاحظة أنَّ نصوصها تجمع، في كثير من الأحيان، بين الشِّعر والنثر والنقد والترجمة والفن البصري وأشكال تعبيرية أخرى. وهنا يبرز دور الترجمة في تغذية هذا التوجّه التجريبي؛ إذ تشجّعها على تجاوز التصوّر الذي يفترض أنَّ القصيدة ينبغي أن تقوم على صوت غنائي متصل ومستقلّ بذاته. وتُمثِّل نوكس، مرةً أخرى، مثالًا بارزًا على ذلك، فهي ليست مجرّد قصيدة مترجمة أُلحقت بها تعليقات شخصية، بل عمل تتضافر فيه البنية المادية والنصية جامعًا بين الترجمة، والمداخل المعجمية، والشذرات النصية، والصور الفوتوغرافية، والتأمّلات في الفقد والحداد. وتبعًا لذلك، لا تقتصر الترجمة في تجربة كارسون الأدبية على كونها نشاطًا لغويًّا، بل تغدو وسيلةً للتعامل مع الغياب والذاكرة والحزن وتحديات الترجمة، ومع استحالة استعادة شخصٍ أو نص آخر استعادةً كاملةً.
يُضاف إلى ذلك أنَّ اشتغال كارسون بالترجمة أتاح لها إمكانية إحياء النصوص القديمة من دون الادّعاء بإمكان استعادة الماضي استعادةً كاملةً؛ إذ يظل هذا الماضي عصيًا على الاكتمال، فيبقى ناقصًا ومتشظيًا ومكتظًا بالفجوات. وعليه، فإنَّ ما أنجزته كارسون لا يمثَّل مجرد ترجمةً مباشرةً للشاعر الروماني، بل إعادة تخيّل إبداعية لنصّه الكلاسيكي. ويذكرنا ذلك بالترجمة بوصفها شكلًا من أشكال الديمومة والتَّكيف، ووسيلةً تتيح للنصوص البقاء والاستمرار في توليد دلالات جديدة واستحداث أشكال متجددة من الكتابة.
تتجلّى الترجمة أيضًا بوصفها شكلًا من أشكال البقاء والتكيّف في الاستراتيجيات التي اعتمدتها كارسون في ترجمتها قصيدةَ الشاعر الروماني؛ إذ أتاحت استراتيجياتُ الترجمة كلمةً بكلمة، والتوسيع المعجمي، والتحليل الفيلولوجي، والتفتيت النصي، وإضفاء الصبغة الذاتية على الترجمة، والحفاظ على الالتباس الدلالي، والترجمة متعدّدة الوسائط، وإعادة التأطير السياقي عبر التناص...أتاحت للنص القديم فرصةً جديدةً للحياة في اللغة الإنجليزية المستقبِلة، مع الإبقاء على أثر النص الأصلي حاضرًا، بدلًا من إذابته في ترجمة سلسة تُخفي خصوصيته.
وتبرز أهمية اشتغال كارسون بالترجمة في إتاحته مساحةً للتفاعل مع نظريات الترجمة، مثل مفهوم "مرئية المترجم" لدى لورنس فينوتي، ومفهوم "استعصاء الترجمة" لدى إميلي أبتر، فضلًا عن دراسات الذاكرة. فعلى خلاف كثير من المترجمين، لا تتوارى كارسون خلف كاتولوس؛ إذ تجعل الظروف التي أُنجزت فيها الترجمة، والمتمثّلة في ترجمة أختٍ قصيدةً عن أخيها المتوفّى، حضورَ المترجمة واضحًا في النَّص. ويشكّل ذلك خروجًا على التصوّر التقليدي للمترجم بوصفه وسيطًا غير مرئي، كما يتيح مساءلة هذا التصوّر في ضوء تجربة كارسون. أمّا مفهوم "استعصاء الترجمة"، فيتجلّى في المشكلات اللغوية والثقافية والتقنية التي واجهتها كارسون في ترجمة قصيدة كاتولوس رقم 101، والتي أسهمت في إنتاج نصٍّ لا يحقّق الاكتمال الذي قد يسعى إليه المترجمون في جوانب عدة.
ومن جهة أخرى، تؤدي الصور الفوتوغرافية والرسائل والاقتباسات والتواريخ والمداخل المعجمية والرسوم والترجمات التي تضمّنها كتاب نوكس وظيفةَ حواملَ للذاكرة؛ إذ تسهم في حفظ آثار الماضي واستحضارها وإعادة تشكيلها. يتيح هذا التداخل بين الترجمة ومختلف أشكال التوثيق والتمثيل صياغةَ حُجّة نقدية مفادها أنَّ الترجمة إحدى الوسائل التي توظّفها كارسون في بناء الذاكرة وإعادة تشكيلها. وفي هذا السياق، تصبح قصيدة كاتولوس جزءًا من عملية بناء الذاكرة هذه، إذ تتداخل ترجمتها مع محاولة كارسون استحضار ذكرى أخيها الراحل والاقتراب من غيابه.
وختامًا، يتجاوز اشتغال كارسون بالترجمة مجرّد نقل المعنى الأدبي عبر الحدود اللغوية والتاريخية؛ إذ تمثّل الترجمة ممارسةً إبداعيةً توسّع من خلالها مواردها الشعرية، وتختبر العلاقة بين اللغة والصمت، وتستكشف تجارب تستعصي على التعبير عنها تعبيرًا كاملًا. وتكتسب الترجمة أهميةً خاصةً في أعمال كارسون؛ لأنّها تجعل الغياب مرئيًّا، بدلًا من السعي إلى تجاوزه أو محوه.
وتتمثّل الترجمة، في هذا السياق، في فعلٍ من أفعال البقاء اللغوي والشخصي، يتحقّق على مستويين: أولهما البقاء اللغوي، ويتمثّل في الحفاظ على نصٍّ قديم وإعادة تنشيطه عبر اللغات والعصور، بما يتيح له مواصلة الحياة في سياقات جديدة؛ وثانيهما البقاء الشخصي، ويتمثّل في توظيف الترجمة وسيلةً للتعايش مع الفجيعة، والتعامل مع الغياب، والحفاظ على الصلة بالراحل واستدامتها عبر الكتابة.
وكما قطع كاتولوس أراضي وبحارًا ليصل إلى مثوى أخيه ويقدّم له هديته الأخيرة، خاضت كارسون في نوكس رحلةً من نوعٍ آخر، عبر الذكريات والوثائق والرسائل والتعريفات المعجمية وشذرات قصيدة كاتولوس، في محاولة للاقتراب من حياة أخيها واستكشاف جوانبها المتنوعة. وهكذا، تغدو الترجمة رحلةً وجدانيةً ولغويةً وتاريخيةً وجغرافيةً، غايتها التعبير عن الهمّ الإنساني المشترك، وإقامة صلةٍ بين تجربتي الفقد، على الرغم من تباعد الأزمنة والسياقات.