اخر الاخبار

 المكان العراقي في تجربة النصير

تتضح أهمية هذه الرؤية أكثر عندما نضعها في السياق العراقي. العراق بلد شديد الارتباط بالمكان. بغداد ليست مدينة فحسب، وإنما طبقات من الذاكرة. شارع الرشيد ليس طريقاً للمرور، بل ذاكرة سياسية وثقافية واجتماعية. المقاهي ليست أماكن للجلوس، وإنما مؤسسات صغيرة صنعت جانباً من الحياة الفكرية والأدبية. البيوت القديمة ليست عمارة فقط، وإنما نظام حياة.

ولهذا لم يكن غريباً أن يحتل شارع الرشيد والمقهى والبيت والساحة والشباك والشارع موقعاً متقدماً في اشتغال النصير. إنه يحاول أن يستعيد الأشياء التي يخشى عليها من النسيان. وهنا تكمن قيمة أخرى في مشروعه: إنقاذ التفاصيل الصغيرة من موتها.

فالتاريخ الرسمي يكتب المدن من خلال الحروب والملوك والسياسيين والمؤسسات، أما النصير فيبحث عن المدينة في تفاصيلها اليومية. في مقهى صغير، في نافذة، في شارع، في حركة جسد، في اسم مكان، وفي علاقة الناس ببعضهم. إنه نوع من التاريخ الثقافي غير الرسمي.

من المكان إلى "ما بعد السرد"

النص الذي كُتب عن تجربة النصير يذهب إلى وصف بعض أعماله بأنها تنتمي إلى «سرديات ما بعد السرد». والمصطلح، رغم قابليته للنقاش، يلفت الانتباه إلى تحول مهم في النقد المعاصر: لم يعد الناقد مضطراً إلى الوقوف عند الحدود التقليدية بين الرواية والنقد والتاريخ والاجتماع.

النصير يتحرك بين هذه الحقول. فهو يبدأ من الرواية، لكنه قد يجد نفسه في الجغرافيا، ثم ينتقل إلى الاجتماع، ثم إلى الفلسفة، ثم يعود إلى النص. وهذا التداخل هو مصدر قوة في تجربته.

لكن ينبغي ألا نخلط بين اتساع المعرفة وغياب الحدود. فكلما اتسعت أدوات الناقد ازدادت حاجته إلى ضبط العلاقة بينها. وإلا تحول النقد إلى موسوعة من الإحالات، وصارت المفاهيم تتجاور من دون أن تتفاعل بالضرورة.

وهنا تظهر إحدى الملاحظات التي يمكن تسجيلها على كتابة النصير: كثافة المفاهيم والإحالات أحياناً تسبق النص الأدبي نفسه.

نقرأ إدوارد هال، وفوكو، ولوفِيفر، ومارك أوجيه، ثم ندخل إلى الرواية والعمارة والمدينة والجسد والاقتصاد. وهذا يمنح النص ثراءً معرفياً، لكنه قد يضع القارئ أحياناً أمام شبكة نظرية كثيفة يصعب معها الإمساك بالفكرة المركزية. وهذه مفارقة تستحق التوقف: النصير يريد أن يكشف التفاصيل الصغيرة، لكن كثافة الجهاز النظري قد تجعل بعض هذه التفاصيل تختفي تحت ثقل المفاهيم. 

بين قوة النظرية وحرية النص

لا شك أن ياسين النصير ناقد قارئ، واسع الاطلاع، شديد الحساسية تجاه التحولات التي أصابت الأدب والحياة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً هو: هل النظرية تأتي إلى النص لتكتشفه أم تأتي لتعيد تشكيله؟

حين نقرأ المكان من خلال فوكو، فإننا نراه من زاوية السلطة. وحين نقرأه من خلال أوجيه، نراه من خلال مفهوم «اللا مكان». وحين نقرأه من خلال إدوارد هال، نراه من خلال المسافة والحساسية الثقافية. كل هذه القراءات مشروعة، لكن النص الأدبي قد يظل أوسع من النظرية التي نقرأه بها.

وهنا أرى أن قوة الناقد الحقيقي تظهر عندما يستطيع أن يترك للنص فرصة لمقاومة النظرية. فالنص ليس دائماً شاهداً مطيعاً على صحة المفهوم. أحياناً يقول النص شيئاً لا تقوله النظرية. وأحياناً يفرض النص على الناقد أن يغير أدواته. وهذه النقطة يمكن أن تكون اختباراً مهماً للمرحلة المقبلة من مشروع النصير.

النقد الذي يقرأ الهامش

من أكثر ما يميز النصير أنه يلتقط الأشياء التي تمر من أمامنا من دون أن نتوقف عندها. النافذة، الباب، الشارع، المقهى، الكوخ، الكهف، الطريق، المسافة، الساحة، البيت. هذه العناصر الصغيرة قد تبدو هامشية في الرواية، لكنها في الحقيقة قد تكون التي تمنح النص روحه.

وهنا أتفق مع الرؤية التي ترى أن النصير يؤسس، بصورة أو بأخرى، لنوع من النقد المكاني العراقي. ليس لأنه أول من كتب عن المكان، فهذا ادعاء لا يستقيم، وإنما لأنه جعل المكان محوراً مستمراً لمشروعه، وأخضعه لأسئلة التاريخ والاجتماع والجمال والفلسفة واللغة.

لقد صار المكان عنده أشبه بمختبر. يدخل إليه النص، فتخرج منه أسئلة عن الإنسان. ولعل تسمية «حائك الكلام» التي ارتبطت بأحد كتبه تلخص جانباً مهماً من تجربته. الحياكة تعني جمع خيوط متفرقة في نسيج واحد.

وهذا بالضبط ما يفعله النصير: يجمع المكان بالزمن، والجسد بالحيز، واللغة بالعمارة، والذاكرة بالشارع، والسلطة بالبيت، والاقتصاد بالسوق، ثم يحاول أن يصنع من هذه الخيوط نسيجاً نقدياً. لكن الحياكة النقدية ليست سهلة. فإذا زادت الخيوط اختلطت الألوان. وإذا قلت ضاقت اللوحة. وهنا أيضاً تكمن مهمة النصير القادمة: أن يحافظ على هذا الاتساع المعرفي، من دون أن يسمح له بأن يتحول إلى فائض نظري.

ياسين النصير والنقد العراقي

لا يمكن قراءة تجربة النصير بمعزل عن تاريخ النقد العراقي. فهذا النقد أنجب أسماء كبيرة، من علي جواد الطاهر وعبد الإله أحمد وطراد الكبيسي وحاتم الصكر وشجاع العاني وفاضل ثامر ومحسن جاسم الموسوي وضياء خضير وغيرهم، وكانت لكل مرحلة أسئلتها ومناهجها ومرجعياتها. لكن النقد العراقي، مثل الثقافة العراقية كلها، تعرض إلى الانقطاعات والهجرة والغياب وتراجع المؤسسات الثقافية.

في هذا المشهد يواصل ياسين النصير اشتغاله، لا بوصفه امتداداً مدرسياً لنقد سابق، وإنما بوصفه ناقداً يحاول أن يجد لنفسه منطقة خاصة. وهذه المنطقة هي المكان. وقد تكون قيمة تجربته هنا أنه لم يكتف بتطبيق منهج جاهز على النص العراقي، بل حاول أن يجعل من التفاصيل العراقية نفسها مادة لبناء رؤيته.

هل أصبح المكان نصاً؟

السؤال يعود من جديد. هل أصبح المكان عند ياسين النصير نصاً؟ أعتقد أن الإجابة نعم، ولكن بشروط. المكان يصبح نصاً عندما تكون له لغة، وذاكرة، وعلاقات، ودلالات، وعندما نستطيع أن نقرأه كما نقرأ الجملة. شارع الرشيد نص. المقهى نص. البيت نص. السوق نص. الساحة نص. حتى المسافة بين شخصين يمكن أن تكون نصاً.

لكن الخطر يبدأ عندما ننسى أن هذه «النصوص» ليست بديلة عن النص الأدبي، وإنما مفاتيح لفهمه.

وهنا ينبغي أن يبقى النقد النقدي حاضراً: المكان ليس غاية في ذاته، بل وسيلة للكشف.

حين يغادر المكان جغرافيته

أهمية ياسين النصير لا تكمن في أنه كتب كثيراً عن المكان، وإنما في أنه حاول أن يغير موقع المكان داخل وعينا النقدي. أخرجه من الجغرافيا وأدخله إلى الاجتماع. أخرجه من الوصف وأدخله إلى الذاكرة. أخرجه من الخلفية وأدخله إلى بنية الحدث. أخرجه من الصمت وأعطاه لغة.

ولهذا فإن المكان في تجربته ليس حجارة وتراباً وحدوداً ومسافات، بل هو الإنسان وهو يختار ويُسمي ويسكن ويتحرك ويخاف ويأمن ويحب ويتذكر. وربما كانت أجمل خلاصة لمشروعه أن المكان لا يصبح اجتماعياً إلا عندما يمر بالإنسان.

فالطبيعة تمنحنا الأرض، لكن الإنسان يمنحها الاسم. والأرض تمنحنا المساحة، لكن المجتمع يمنحها الوظيفة. والبيت يمنحنا السقف، لكن الذاكرة تمنحه معنى. والشارع يمنحنا طريقاً، لكن الناس يمنحونه تاريخاً. وهنا يغادر المكان جغرافيته. لكن يبقى أمام مشروع ياسين النصير سؤال لا أراه اعتراضاً عليه بقدر ما أراه دعوة إلى مزيد من المغامرة النقدية:

هل يستطيع المكان أن يظل مفتاحاً للنص من دون أن يتحول إلى قفل جديد عليه؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون، ربما، واحدة من أهم مراحل تجربته المقبلة. فالنقد الحي لا يكتفي بأن يشرح ما نعرفه، وإنما يفتح أمامنا ما لم نعرفه بعد. وهذه، في النهاية، هي قيمة ياسين النصير: أنه يجعلنا نمر بالأشياء التي اعتدنا المرور بها، ثم يوقفنا أمامها فجأة، ويقول لنا: انظروا... المكان الذي ظننتموه صامتاً كان يتكلم طوال الوقت.